قال تعالى:"إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس إلى أن قال: ويوم يحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم إلى أن قال: وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كان يفترون": يونس - 30 تشير الآيات إلى أمر الحيوة وزينتها بيده تعالى لا ولي لها دونه لكن الإنسان باغتراره بظاهرها يظن أن أمرها إليه ، وأنه قادر على تدبيرها وتنظيمها فيتخذ لنفسه فيها شركاء - كالأصنام وما بمعناها من المال والولد وغيرهما ، إن الله سيوقفه على زلته فيذهب هذه الزينة ، ويزيل الروابط التي بينه وبين شركائه ، وعند ذلك يضل عن الإنسان ما افتراه على الله من شريك في التأثير ويظهر له معنى ما علمه في الدنيا وحقيقته ، ورد إلى الله مولاه الحق.
وهذا التزين أعني: ظهور الدنيا للإنسان بزينة الاستقلال وجمال الغاية والمقصد لا يستند إلى الله سبحانه فإن الرب العليم الحكيم أمنع ساحة من أن يدبر خلقه بتدبير لا يبلغ به غايته الصالحة ، وقد قال تعالى:"إن الله بالغ أمره": الطلاق - 3 ، وقال تعالى:"و الله غالب على أمره": يوسف - 21 ، بل إن استند فإنما يستند إلى الشيطان قال تعالى:"و زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون": الأنعام - 43 ، وقال تعالى:"و إذ زين لهم الشيطان أعمالهم": الأنفال - 48.
نعم لله سبحانه الإذن في ذلك ليتم أمر الفتنة ، وتستقيم التربية كما قال تعالى:"أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون: العنكبوت - 4 ، وعلى هذا الإذن يمكن أن يحمل قوله تعالى:"كذلك زينا لكل أمة عملهم: الأنعام - 108 ، وإن أمكن أيضا أن يحمل على ما مر من معنى التزيين المنسوب إليه تعالى في قوله تعالى:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا: الكهف - 7."
وبالجملة التزيين تزيينان: تزيين للتوسل بالدنيا إلى الآخرة وابتغاء مرضاته في مواقف الحياة المتنوعة بالأعمال المختلفة المتعلقة بالمال والجاه والأولاد والنفوس ، وهو سلوك إلهي حسن ، نسبه الله تعالى إلى نفسه كما مر من قوله: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها الآيات ، وكقوله تعالى:"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق": الأعراف - 32.
وتزيين لجلب القلوب وإيقافها على الزينة وإلهائها عن ذكر الله وهو تصرف شيطاني مذموم ، نسبه الله سبحانه إلى الشيطان ، وحذر عباده عنه كما مر من قوله تعالى:"و زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون"الآية ، وقوله تعالى فيما يحكيه من قول الشيطان:"قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين": الحجر - 39 ، وقوله تعالى: زين لهم سوء أعمالهم": التوبة - 37 ، إلى غير ذلك من الآيات."
وهذا القسم ربما نسب إليه تعالى من حيث إن الشيطان وكل سبب من أسباب الخير أو الشر إنما يعمل ما يعمل ويتصرف في ملكه ما يتصرف بإذنه لينفذ ما أراده وشاءه ، وينتظم بذلك أمر الصنع والإيجاد ، ويفوز الفائزون بحسن إرادتهم واختيارهم ، ويمتاز المجرمون.
وبما مر من البيان يظهر أن المراد من فاعل التزيين المبهم في قوله: زين للناس حب الشهوات"الخ"ليس هو الله سبحانه فإن التزيين المذكور وإن كان له نسبة إليه تعالى سواء كان تزيينا صالحا لأن يدعو إلى عبادته تعالى وهو المنسوب إليه بالاستقامة أو تزيينا ملهيا عن ذكره تعالى وهو المنسوب إليه بالإذن ، لكن لاشتمال الآية على ما لا ينسب إليه مستقيما كما يجيء بيانه كان الأليق بأدب القرآن أن ينسب إلى غيره تعالى كالشيطان أو النفس.
ومن هنا يظهر صحة ما ذكره بعض المفسرين: أن فاعل زين هو الشيطان لأن حب الشهوات أمر مذموم ، وكذا حب كثرة المال مذموم ، وقد خص تعالى بنفسه ما ذكره في آخر الآية وفي ما يتلوها.