فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 4314

و يظهر به فساد ما ذكره بعضهم: أن الكلام في طبيعة البشر والحب الناشىء فيها ومثله لا يسند إلى الشيطان بحال وإنما يسند إليه ما هو قبيل الوسوسة التي تزين للإنسان عملا قبيحا.

قال: ولذلك لم يسند إليه القرآن إلا تزيين الأعمال ، قال تعالى:"و إذ زين لهم الشيطان أعمالهم"، وقال"و زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون"، وأما الحقائق وطبائع الأشياء فلا تسند إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له ، قال عز وجل:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا"وقال: كذلك زينا لكل أمة عملهم"فالكلام في الأمم كلام في طبائع الاجتماع ، انتهى."

وجه الفساد: أنه وإن أصاب في قوله: إن الحقائق وطبائع الأشياء لا تسند إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له لكنه أخطأ في قوله: إن الكلام في طبيعة البشر وما ينشأ منها بحسب الطبع ، وذلك أن السورة كما علمت في مقام بيان أن الله سبحانه هو القيوم على خلقه في جميع ما هم عليه من الخلق والتدبير والإيمان والكفر والإطاعة والعصيان ، خلق الخلق وهداهم إلى سعادتهم ، وأن الذين نافقوا في دينه من المنافقين أو كفروا بآياته من الكافرين أو بغوا بالاختلاف في كتابه من أهل الكتاب ، وبالجملة الذين أطاعوا الشيطان واتبعوا الهوى ليسوا بمعجزين لله غالبين عليه مفسدين لقيمومته بل الجميع راجع إلى قدره وتدبيره أمر خلقه في تحكيم ناموس الأسباب لتقوم بذلك سنة الامتحان فهو الخالق للطبائع وقواها وميولها وأفعالها لتسلك بها إلى جوار ربها جوار القرب والكرامة ، وهو الذي أذن لإبليس ولم يمنعه من الوسوسة والنزعة ولم يمنع الإنسان من اتباعه باتباع الهوى ليتم أمر الامتحان وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منهم شهداء ، وإنما بين ذلك في هذه السورة ليتسلي بذلك نفوس المؤمنين ، ويطيب بذلك قلوبهم بما هم عليه عند نزول السورة من العسرة والشدة والابتلاء من الداخل بنفاق المنافقين وجهالة الذين في قلوبهم مرض بإفساد الأمور وتقليبها عليهم ، والتقصير في طاعة الله ورسوله ، ومن الخارج بالدعوة الشاقة الدينية ، ووثوب الكفار من العرب عليهم من جانب ، وأهل الكتاب واليهود منهم خاصة من جانب آخر ، وتهديد الكفار كالروم والعجم بالقوة والعدة من جانب آخر ، وهؤلاء الكافرون ومن يحذو حذوهم اشتبه عليهم الأمر في الركون إلى الدنيا وزخارفها حيث أخذوها غاية وهي مقدمة والغاية أمامها.

فالسورة كما ترى تبحث عن طبائع الأمم لكن بنحو وسيع يشمل جهات خلقهم وتكوينهم وجميع ما يتعقب ذلك في مسير حيوتهم من الخصائل وأعمال السعادة والشقاوة والطاعة والمعصية فتبين أن ذلك كله تحت قيمومته تعالى لا يقهر في قدرته ، ولا يغلب في أمره لا في الدنيا ولا في الآخرة أما في الدنيا فإنما هو إذن وامتحان ، وأما في الآخرة فإنما هو الجزاء إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

وكذلك الآيات أعني قوله: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم إلى تمام تسع آيات في مقام بيان أن الكفار وإن كذبوا آيات ربهم وبدلوا نعم الله التي أنعمها عليهم ليتوسلوا بها إلى رضوانه وجنته فركنوا واعتمدوا عليها واستغنوا بها عن ربهم ، ونسوا مقامه ليسوا بمعجزين ولا غالبين فسيأخذهم الله بنفس أعمالهم ، ويؤيد عباده المؤمنين عليهم وسيحشرهم إلى جهنم وبئس المهاد ، وهم مع ذلك غالطون في الركون إلى ما ليس إلا متاعا في الحياة الدنيا وعند الله حسن المآب ، فالآيات أيضا تبحث عن طبيعة الكفار لكن بنحو وسيع يشمل الصالح والطالح من أعمالهم.

على أن الآية التي ذكرها هذا القائل مستشهدا بها على أن الحقائق لا تسند إلا إلى الله وإنما يسند إلى الشيطان الأعمال أعني قوله تعالى:"كذلك زينا لكل أمة عملهم"يدل بما حف عليه من القرائن على خلاف ذلك ويؤيد ما ذكرناه وهو قوله تعالى:"و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون": الأنعام - 108 ، وهو ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت