فهرس الكتاب

الصفحة 571 من 4314

و كذا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن التزيين على قسمين محمود ومذموم والأعمال نوعان حسنة وسيئة ، وإنما يسند إلى الله سبحانه ما هو منها محمود ممدوح حسن ، والباقي للشيطان وهو وإن كان حقا من وجه ولكنه إنما يصح في النسبة المستقيمة التي يعبر عنه بالفعل ونحوه فالله سبحانه لا يفعل إلا الجميل ، ولا يأمر بالسوء والفحشاء ، وأما النسبة غير المستقيمة وبالواسطة التي يعبر عنه بالإذن ونحوه فلا مانع عنها ، ولو لا ذلك لم يستقم ربوبيته لكل شيء ، وخلقه لكل شيء ، وملكه لكل شيء ، وانتفاء الشريك عنه على الإطلاق ، والقرآن مشحون من هذه النسبة كقوله تعالى:"يضل من يشاء": الرعد - 27 ، وقوله:"أزاغ الله قلوبهم": الصف - 5 ، وقوله:"الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم: البقرة - 15 ، وقوله:"أمرنا مترفيها ففسقوا": الإسراء - 16 ، إلى غير ذلك من الآيات ، ولم ينشأ خطؤهم هذا إلا من جهة ما قصروا في البحث عن روابط الأشياء وآثارها وأفعالها فحسبوا كل واحد من هذه الأمور الموجودة أمرا مستقل الوجود منقطع الذات عما يحتف به من مجموعة الأشياء وقبيل المصنوعات وما يتقدم عليها وما يتأخر عنها."

ولزم ذلك أن يضعوا الحوادث التي هي نتائج تفاعل الأسباب والعلل على ما فطرها الله عليه في مسير السببية متقطعة متفرقة غير متصلة ولا مرتبطة فكانت كل حادثة حدثت عن أسبابها وكل فعل فعله فاعله منقطع الوجود عن غيره مملوكا لصاحبه ليس لغير سببه المتصل به فيه نصيب ولا في حدوثه حظ ، فأجرام تدور ، وبحر تسري وفلك تجري ، وأرض تقل ، ونبات ينبت ، وحيوان يدب ، وإنسان يعيش ويكدح لا التيام روحي معنوي يجمعها ولا وحدة جسمية من المادة وقوتها: توحدها.

ثم تعقب ذلك أن يظنوا نظير هذا الانفصال والتلاشي بين عناوين الأعمال وصور الأفعال من خير وشر ، وسعادة وشقاوة ، وهدى وضلال ، وطاعة ومعصية وإحسان وإساءة ، وعدل وظلم ، وغير ذلك فكانت غير مرتبطة الوجود ولا متشابكة التحقق.

وقد ذهلوا عن أن هذا العالم بما يشتمل عليه من أعيان الموجودات وأنواع المخلوقات مرتبط الأجزاء متلائم الأبعاض ، يتبدل جزء منه إلى جزء ، ويتحول بعضه إلى بعض ، فيوما إنسان ، ويوما نبات ، ويوما جماد ، ويوما جمع ، ويوما فرق ، وحيوة البعض بعينها ممات الآخر ، وكون الجديد منه فساد للقديم بعينه.

وكذلك الحوادث الجارية مرتبطة ارتباط حلقات السلسلة أي وضع فرض لواحدة منها مؤثر في أوضاع ما يقارنها وما يتقدمها إلى أقدم العهود المفروضة للعالم الطبيعي كالسلسلة التي تنجر بجر الحلقة منها جميع الحلقات وهو السلسلة فأدنى تغير مفروض في ذرة من ذرات هذا العالم يوجب تغير الحال في الجميع ، وإن عزب عن علمنا وإدراكنا أو خفي عن إحساسنا فعدم العلم لا يستلزم عدم الوجود ، فهذا مما بينت في الأبحاث العلمية منذ القديم ، وأوضحته الأبحاث الطبيعية والرياضية اليوم أتم إيضاح ، ولقد كان القرآن ينبئنا بذلك أحسن الإنباء قبل أن نأخذ في هذه الأبحاث من فلسفيها وطبيعيها ورياضيها بالنقل عن كتب الآخرين ثم بالاستقلال في البحث ، وذلك بما يذكر من اتصال التدبير في الآيات السماوية والأرضية ، وارتباط ما بينها ، ونفع بعضها في بعض ، واشتراك الجميع في إقامة غرض الخلقة ، ونفوذ القدر في جميعها والسلوك إلى المعاد ، وأن إلى ربك المنتهى.

وكذلك أوصاف الأفعال وعناوين الأعمال مرتبطة الأطراف كارتباط الأمور المتقابلة المتعاندة فلو لا أحد المتعاندين لم يستقم أمر الآخر كما نشاهده من أمر الصنع والإيجاد أن تكون شيء ما يحتاج إلى فساد آخر ، وسبق أمر يتوقف على لحوق آخر.

ولو لم يتحقق أحد الطرفين من أوصاف الأعمال لم يستقم أمر الآخر في آثاره المطلوبة منه في الاجتماع الإنساني الطبيعي ، ولا في الاجتماع الإلهي الذي هو الدين الحق ، فإن الإطاعة مثلا حسنة لأن المعصية سيئة ، والحسنة موجبة للثواب ، لأن السيئة موجبة للعقاب ، والثواب لذيذ للعامل لأن العقاب مولم له ، واللذة سعادة مرغوب فيها لأن الألم شقاوة مهروب عنها ، والسعادة هي التي يتوجه وجوده بحسب الخلقة إليها والشقاوة هي التي يتوجه عنها ، ولو لا هذه الحركة الوجودية لبطل الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت