فهرس الكتاب

الصفحة 572 من 4314

فالإطاعة ثم الحسنة ثم الثواب ثم اللذة ثم السعادة هي بحيال المعصية فالعقاب فالألم فالشقاء وإنما يظهر كل منها بخفاء ما يقابله ويحيى بموته ، وكيف يمكن أن تقع دعوة إلى شيء من غير تحذير عما يخالفه؟ وكيف يمكن أن يكون خلافه ممكنا دون أن يكون واقعا بما يدعو إليه من الأغراض والميول؟.

فقد تبين من ما ذكرناه: أن الواجب في الحكمة أن يشتمل هذا العالم على الفساد كما يشتمل على الصلاح وعلى المعصية كما يشتمل على الطاعة على ما قدره الله في نظام صنعه وخلقه غير أن الكون والفساد في غير الأعمال وأوصافها ينسبان إلى الله سبحانه لأن الخلق والأمر له.

لا شريك له وقبيل السعادة من الأعمال تنسب إليه بالهداية نسبة مستقيمة وقبيل الشقاوة منها كوسوسة الشيطان وتسليط الهوى على الإنسان وتأمير الظالمين على الناس ونحو ذلك ينسب إليه تعالى بالإضلال والإخزاء والخذلان ونحوها نسبة غير مستقيمة ، وهي التي يعبر عنها بالإذن فيقال: إنه تعالى أذن للشيطان أن ينزع بالوسوسة والتسويل ، ولم يمنع الإنسان أن يتبع الهوى ، ولم يضرب بين الظالم وما يريده من الظلم بحجاب لأن السعادة والشقاوة مبنيتان على الاختيار ، فمن سعد فباختياره ، ومن شقي فباختياره ، ولو لا ذلك لم تتم الحجة ، ولم تجر سنة الاختيار والامتحان.

ولم يمنع هؤلاء الباحثين عن الاسترسال في هذه المباحث إلا استيحاشهم من وخيم نتائجها بزعمهم ، فأما المجبرة منهم فزعموا أن لو قالوا بارتباط الأشياء وضرورة تأثير الأسباب واعترفوا بذلك لزمهم الإيجاب في جانب الصانع تعالى وسلب قدرته المطلقة على التصرف في مصنوعاته.

وأما غيرهم فزعموا أن لو أذعنوا بذلك في مرحلة الأعمال وأسندوها إلى إرادته وقدره تعالى لزمهم القول بالإيجاب والإجبار في جانب المصنوع وهو الإنسان ، وببطلان الاختيار يبطل الثواب والعقاب ، والتكليف والتشريع.

مع أنهم كان يسعهم أن يستأنسوا من غير استيحاش بكلامه تعالى حيث يقول:"و الله غالب على أمره": يوسف - 21 ويقول:"ألا له الخلق والأمر": الأعراف - 54 ويقول:"لله ما في السموات والأرض": يونس - 55 ، على أنها وما يماثلها آيات تعطي البرهان في ذلك ، وقد تقدمت نبذة من هذا البحث في الكلام على قوله تعالى"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا": البقرة - 26.

ولنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في قوله تعالى: زين للناس حب الشهوات فنقول: الظاهر أن فاعل زين غيره تعالى وهو الشيطان أو النفس: أما أولا فلأن المقام مقام ذم الكفار بركونهم إلى هذه المشتهيات من المال والأولاد واستغنائهم بتزينها لهم عن الله سبحانه ، والأليق بمثل هذه الزينة الصارفة عن الله الشاغلة عن ذكره أن لا ينسب إليه تعالى.

وأما ثانيا: فلأنه لو كان هذا هو التزيين المنسوب إليه تعالى لكان المراد به الميل الغريزي الذي للإنسان إلى هذه الأمور فكان الأنسب في التعبير أن يقال: زين للإنسان أو لبني آدم ونحوها كقوله تعالى:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين": التين - 5 ، وقوله تعالى:"و لقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر الآية: الأسرى - 70 ، وأما لفظ الناس فالأعرف منه أن يستعمل في الموارد التي فيها شيء من إلغاء الميز أو حقارة الشخص ودناءة الفكر نحو قوله:"فأبى أكثر الناس إلا كفورا": الأسرى - 89 ، وقوله:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى": الحجرات - 13 وغير ذلك."

وأما ثالثا: فلأن الأمور التي عدها تعالى بيانا لهذه الشهوات لا تناسب التزيين الفطري إذ كان الأنسب عليه أن يبدل لفظ النساء بما يؤدي معنى مطلق الزوجية ، ولفظ البنين بالأولاد ، ولفظ القناطير المقنطرة ، بالأموال فإن الحب الطبيعي موجود في النساء بالنسبة إلى الرجال كما هو موجود في الرجال بالنسبة إلى النساء ، وكذا هو مغروز في الإنسان بالنسبة إلى مطلق الأولاد ومطلق الأموال دون خصوص البنين وخصوص القناطير المقنطرة ، ولذلك اضطر القائل بكون فاعل زين هو الله سبحانه أن يقول: إن المراد حب مطلق الزوجية ومطلق الأولاد ومطلق الأموال وإنما ذكرت النساء والبنين والقناطير لكونها أقوى الأفراد وأعرفها ثم تكلف في بيان ذلك بما لا موجب له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت