و أما رابعا: فلأن كون التزيين هو المنسوب إلى الله سبحانه لا يلائم قوله تعالى في آخر الآية: ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أ أنبئكم بخير من ذلكم ، فإن ظاهره أنه كلام موضوع لصرفهم عن هذه الشهوات الدنيوية وتوجيه نفوسهم إلى ما عند الله من الجنان والأزواج والرضوان ، ولا معنى للصرف عن المقدمة إلى ذي المقدمة فإن في ذلك مناقضة ظاهرة وإبطالا للأمرين معا كالذي يريد الشبع ويمتنع عن الأكل.
فإن قلت: الآية أعني قوله: زين للناس حب الشهوات"الخ"بحسب الملخص من معناها مساوقة لقوله تعالى:"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيامة": الأعراف - 32 ، ولازم انطباق المعنى أن يكون فاعل التزيين في هذه الآية أيضا هو الله سبحانه.
قلت: بين الآيتين فرق من حيث المقام: فإن المقام فيما نحن فيه: مقام ذم هذه الشهوات المحبوبة للناس لصرفها وإلهائها الناس عما لهم عند الله ، وحثهم على الإعراض عنها والتوجه إلى ما عند الله سبحانه بخلاف تلك الآية فإنها مسوقة لبيان أن هذه النعم زينت للإنسان وأنها للمؤمنين في هذه الدنيا بالاشتراك في الدنيا وبالاختصاص في الآخرة ، ولذلك بدل لفظ الناس هناك بلفظ العباد.
وعدت هذه الزينة رزقا طيبا.
وإن قلت: إن التزيين علق في الآية على حب الشهوات دون نفس الشهوات ، ومن المعلوم أن تزيين الحب للإنسان وجذبه لنفسه وجلبه لقلبه أمر طبيعي وخاصة ذاتية له فيئول معنى تزيين الحب للناس إلى جعل الحب مؤثرا في قلوبهم أي خلق الحب في قلوبهم ، ولا ينسب الخلق إلا إلى الله سبحانه فهو الفاعل في قوله: زين.
قلت: لازم ما ذكرناه من القرائن أن يكون المراد بتزيين الحب جعل الحب بحيث يجذب الناس إلى نفسه ويصدهم عن غيره فإن الزينة هي الأمر المطلوب الجالب الذي ينضم إلى غيره ليجلب الإنسان إلى ذلك الغير بتبع جلبه إلى نفسه كما أن المرأة تتزين بضم أمور تستصحب الحسن والجمال إلى نفسها ليقصدها الرجل بها فالمقصود هو بالحقيقة تلك الأمور والمنتفع من هذا القصد هي المرأة ، وبالجملة فيئول معنى تزيين الحب للناس إلى جعله في أعينهم بحيث يؤدي إلى التوله فيه والولوع في الاشتغال به لا أصل تأثير الحب كما هو الظاهر من معنى قوله تعالى:"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا": مريم - 59 ، ويؤيد هذا المعنى ما سيأتي من الكلام في العد الواقع في قوله: من النساء والبنين والقناطير ، على أن لفظ الشهوات ربما لم يخل عن الدلالة بالشغف والولوع وإن كان بمعنى المشتهيات.
قوله تعالى: من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة"الخ"، النساء جمع لا واحد له من لفظه ، والبنين جمع ابن وهو ذكور الأولاد بواسطة أو بلا واسطة ، والقناطير جمع قنطار وهو ملء مسك ذهبا أو هو المسك المملوء ، والمقنطرة اسم مفعول مشتق من القنطار وهو جامد ، وهذا من دأبهم يعتبرون في الجوامد شيئا من النسب يكسب بها معنى مصدريا ثم يشتقون منه المشتقات كالباقل والتامر والعطار لبائع البقل والتمر والعطر ، وفائدة توصيف الشيء بالوصف المأخوذ من لفظه تثبيت معناه له ، والتلميح إلى أنه واجد لمعنى لفظه غير فاقدة كما يقال: دنانير مدنرة ودواوين مدونة ، ويقال: حجاب محجوب وستر مستور ، والخيل: هو الأفراس ، والمسومة مأخوذة من سامت الإبل سوما بمعنى ذهبت لترعى فهي سائمة ، أو من سمت الإبل في المرعى وأسمتها وسومتها بمعنى أعلمتها.
فالخيل المسومة إما المرسلة للرعي أو المعلمة ، والأنعام جمع نعم بفتحتين وهو الإبل والبقر والغنم ، والبهائم أعم منه ويطلق على غير الوحش والطير والحشرات ، والحرث هو الزرع وفيه معنى الكسب وهو تربية النبات أو النبات المربى للانتفاع به في المعاش.
وبناء التعداد في الآية ليس على تكثر حب الشهوات بحسب تكثر المشتهيات أعني متعلقات الشهوة بمعنى أن الإنسان بحسب طبعه يميل إلى الأزواج والأولاد والمال حتى يتكلف في توجيه التعبيرات الواقعة في الآية كالتعبير عن الإنسان بالناس والتعبير عن الأولاد بخصوص البنين ، والتعبير عن المال بالقناطير المقنطرة"الخ"بما تكلف به جمع من المفسرين.