بل على كون الناس أصنافا في الشغف والولوع بمشتهيات الدنيا فمن شهواني لا هم له إلا التعشق بالنساء وغرامهن والتقرب إليهن والأنس بصحبتهن ، ويستصحب ذلك أذنابا من وجوه الفساد ومعاصي الله سبحانه كاتخاذ المعازف والأغاني وشرب المسكرات وأمور أخر غيرهما ، وهذا مما يختص بالرجال عادة ، ولا يوجد في النساء إلا في غاية الشذوذ ، ومن محب للبنين والتكاثر والتقوي بهم كما يوجد غالبا في أهل البدو ، ويختص أيضا بالبنين دون البنات ، ومن مغرم بالمال أكبر همه أن يقنطر القناطير ، ويملأ المخازن من وجوه النقد ، وظهور هذا الجنون أيضا في جمع المال إنما هو في وجوه النقد من الذهب والفضة أو ما يتقوم بهما دون أمثال الأثاث إلا أن يراد لأجلهما بوجه ، ويوجد غالبا في الحاضر دون البادي ، أو أن المختار عنده اتخاذ الخيل المسومة كالمغرمين بالفروسة وأمثالهم أو اتخاذ الماشية من الأنعام ، أو يستحب الحرث ، وربما يجتمع البعض من هذه الثلاثة الأخيرة مع البعض وربما تفترق.
وهذه أقسام الشهوات التي ينسل الناس إليها صنفا صنفا بالتعلق بواحد منها وجعله أصلا في اقتناء مزايا الحيوة ، وجعل غيره فرعا مقصودا بالقصد الثاني ، وقلما يوجد أو لا يوجد أصلا في الناس من ساوى بين جميعها ، وقصد الجميع قصدا أولا معتدلا.
وأما مثل الجاه والمقام والصدارة ونحوها فهي جميعا أمور وهمية بالحقيقة إنما تتعلق الرغبة إليها بالقصد الثاني لا يعد الالتذاذ بها التذاذا شهويا ، على أن الآية ليست في مقام حصر الشهوات.
ومن هنا يتأيد ما تقدمت الإشارة إليه من أن المراد بحب الشهوات التوغل والانغمار في حبها وهو المنسوب إلى الشيطان دون أصل الحب المودع في الفطرة وهو المنسوب إلى الله سبحانه.
قوله تعالى: ذلك متاع الحياة الدنيا ، أي هذه الشهوات أمور يتمتع بها لإقامة هذه الحيوة التي هي أقرب الحيوتين منكم وهما الحيوة الدنيا والحيوة الأخرى ، والحيوة الدنيا وكذا المتاع الذي يتمتع به لها أمر فان داثر ليس لها عاقبة باقية صالحة ، وصلاح العقبى وحسن المآب إنما هو عند الله سبحانه وهو قوله تعالى: والله عنده حسن المآب.
قوله تعالى: قل أ أنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات إلى آخر الآية ، الآية مسوقة لبيان قوله: والله عنده حسن المآب وقد وضع فيها محل هذه الشهوات الفانية الباطلة أمور هي خير للإنسان لكونها باقية وحسنة حقيقة من غير بطلان ، وهي أمور مجانسة لهذه الشهوات في ما يريده الإنسان من خواصها وآثارها غير أنها خالية عن القبح والفساد غير صارفة للإنسان عن ما هو خير منها ، وهي الجنة ومطهرات الأزواج ورضوان الله تعالى.
وقد اختصت الأزواج بالذكر مع كون ذكر الجنة كالمشتمل عليها لكون الوقاع أعظم اللذائذ الجسمية عند الإنسان ، ولذلك أيضا قدم ذكر النساء في قوله: من النساء والبنين والقناطير المقنطرة"الخ".
وأما الرضوان بكسر الراء وضمها فهو الرضا وهو أن يلائم الأمر الواقع نفس صاحبه من غير أن يمتنع منه ويدافعه ، ويقابله السخط.
وقد تكرر في القرآن ذكر رضى الله سبحانه ، وهو منه تعالى كما يتصور بالنسبة إلى فعل عباده في باب الطاعة كذلك يتصور بالنسبة إلى غير باب الطاعة كالأوصاف والأحوال وغير ذلك إلا أن جل الموارد التي ذكر فيها أو كلها من قبيل الرضا بالطاعة ، ولذلك ربما قوبل بينه وبين رضا العبد فرضاه عن عبده لطاعته ، ورضى العبد عنه لجزائه الحسن أو لحكمة كقوله تعالى:"رضي الله عنهم ورضوا عنه: البينة - 8 ، وقوله تعالى:"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية": الفجر - 28 ، وقوله تعالى:"و السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات"الآية: البراءة - 100."
وذكر الرضوان هاهنا أعني في عداد ما هو خير للناس من مشتهيات الحيوة الدنيا يدل على أنه نفسه من مشتهيات الإنسان أو يستلزم أمرا هو كذلك عنى بذكره في مقابل الجنات والأزواج في هذه الآية ، وكذا في مقابل الفضل والرحمة في قوله:"فضلا من ربهم ورضوانا": المائدة - 2 ، وقوله:"و مغفرة من الله ورضوان": الحديد - 29 ، وقوله:"برحمة منه ورضوان": البراءة - 21.