و لعل الذي يكشف عن هذا الذي أبهمته هذه الآية هو التدبر في المعنى الذي ذكرناه وفي قوله تعالى: رضي الله عنهم الآية وقوله: راضية مرضية الآية حيث علق رضاه بأنفسهم ، والرضا عن أنفسهم غير الرضا عن أفعالهم فيعود المعنى إلى أنه لا يمنعهم عن نفسه فيما يسألونه فيئول إلى معنى قوله"لهم ما يشاءون فيها": ق - 35 ، ففي رضوان الله عن الإنسان المشية المطلقة للإنسان.
ومن هنا يظهر: أن الرضوان في هذه الآية قوبل به من الشهوات المذكورة في الآية السابقة أن الإنسان يحسب أنه لو اقتناها وخاصة القناطير المقنطرة من بينها أفادته إطلاق المشية وأعطته سعة القدرة فله ما يشاء ، وعنده ما يريد.
وقد اشتبه عليه الأمر فإنما يتم ذلك برضا الله الذي إليه أمر كل شيء.
قوله تعالى: والله بصير بالعباد.
لما تحصل من هذه الآية والتي قبلها: أن الله أعد للإنسان في كلتا الدارين الدنيا والآخرة نعما يتنعم بها ومآرب أخرى مما تلتذ به نفسه كالأزواج ، وما يؤكل ويشرب ، والملك ونحوها ، وهي متشابهة في الدارين غير أن ما في الدنيا مشترك بين الكافر والمؤمن مبذول لهما معا وما في الآخرة مختص بالمؤمن لا يشاركه فيها الكفار كان المقام مظنة سؤال الفرق في ذلك ، وبلفظ آخر سؤال وجه المصلحة في اختصاص المؤمن بنعم الآخرة أجاب عنه بقوله: والله بصير بالعباد ، ومعناه: أن هذا الفرق الذي فرق الله به بين المؤمن والكافر ليس مبنيا على العبث والجزاف تعالى عن ذلك بل إن في الفريقين أمرا هو المستدعي لهذا الفرق والله بصير بهم يرى ما فيهم من الفرق وهو التقوى في المؤمن دون الكافر ، وقد وصف هذا التقوى وعرفه بما يلحق بهذه الآية من قوله: الذين يقولون ربنا إلى آخر الآيتين وملخصه: أنهم يظهرون فاقتهم إلى ربهم وعدم استغنائهم عنه ، ويصدقون ذلك بالعمل الصالح ولكن الكافر يستغني عن ربه بشهوات الدنيا وينسى آخرته وعاقبة أمره.
ومن ألطف ما يستفاد من الآيتين أعني قوله تعالى: ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أ أنبئكم بخير من ذلكم إلى آخر الآية وما في معناهما من الآيات كقوله تعالى:"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ،: الأعراف - 32 ، الجواب عن إشكال استوجهه كثير من الباحثين على ظواهر الآيات الواصفة لنعم الجنة."
أما الإشكال فهو أن المتأمل في أطوار وجود هذه الموجودات المشهودة في هذا العالم لا يشك في أن الأفعال الصادرة منها وأعمالها التي يعملها إنما هي متفرعة على القوى والأدوات التي جهز بها كل واحد منها ليدفع بها عن وجوده ويحفظ بها بقاءه كما يحققه البحث عن الغايات الوجودية وأن الوجود لا يستند إلى اتفاق أو جزاف أو عبث.
فهو ذا الإنسان مجهز في جميع بدنه بجهاز دقيق في غاية الدقة يتمشى به أمر تغذيه ، وإنما يتغذى لتهيئة بدل ما يتحلل من أجزائه وإنما يفعل ذلك ليمد وجوده للبقاء ، وأيضا هو مجهز بجهاز التناسل على ما فيه من الأدوات والقوى الفعالة والمترتبة ليحفظ بقاء نوعه والأمر في وجود النبات والحيوان نظير الأمر في تجهيز الإنسان.
ثم إن الخلقة احتالت في تسخيرها وخاصة في تسخير ذوات الشعور منها وهي الحيوان والإنسان بإبداع لذائذ في أفعالها وإيداعها في القوى لتتسابق إلى الأفعال لأجل هذه اللذائذ وهي لا تشعر أن الخلقة تريد منها غايتها وهي بقاء الوجود وتغرها بتطميعها باللذة التي تزينها لها فيحصل بذلك ما يريده الخلقة ، ويلتذ الفاعل بهذه الزينة التي تغرها ويلعب بها ، فلو لا ما في الغذاء والنكاح مثلا من اللذة لما قصدهما الإنسان مثلا لمجرد كونهما مقدمة للبقاء ، وبطل بذلك غرض الخلقة لكن الله سبحانه أودع فيه لذة الغذاء ولذة النكاح لا يستريح الإنسان في طريق النيل إليهما دون أن يتحمل كل تعب وعناء ويقاسي كل مصيبة وبلاء ، وهو في اقتناء هذه الشهوات مختال فخور بما ليس فيه إلا الغرور ، وأما الصنع والخلقة فينال بغيته ويبلغ أمنيته فإنه ما كان يريد بهذا التدبير إلا بقاء وجود الفرد وقد حصل بالتغذي ، وإلا بقاء وجود النوع وقد حصل بالنكاح والسفاد ولم يبق للإنسان مثلا فيما كان يريده إلا الخيال.