فهرس الكتاب

الصفحة 576 من 4314

و إذا كان هذه اللذائذ الدنيوية مقصودة في الخلقة لأجل غرض محدود معجل فلا معنى لتحققها في ما لا تحقق هناك لذلك الغرض ، فلذة الأكل والشرب وجميع اللذائذ الراجعة إلى التغذي مقصودة في الطبيعة لأجل حفظ البدن عن آفة التحلل وفساد التركيب وهو الموت ، ولذة النكاح وجميع اللذائذ المرتبطة به وهي أمور جمة إنما تقصدها الخلقة لأجل حفظ النوع من الفناء والاضمحلال ، فلو فرض للإنسان وجود لا يلحقه موت ولا فناء وحيوة مأمونة من كل شر ومكروه فأي فائدة تترتب على وجود القوى البدنية التي تعمل لأجل تحصيل بقاء الشخص أو النوع؟ وأي ثمرة يثمرها تجهيزات البدن وأعضاؤه كالكلي والمثانة والطحال والكبد وغيرها وجميعها إنما أوجدت لأعمال تنفع في البقاء المعجل المحدود دون البقاء المخلد المؤبد؟.

وأما الجواب فهو أن الله سبحانه إنما خلق ما خلق من لذائذ الدنيا والنعم التي تتعلق بها هذه اللذائذ زينة في الأرض ليقصدها الإنسان فينجذب إلى الحيوة ويتعلق بها كما قال:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها": الكهف - 7 ، وقال"المال والبنون زينة الحيوة الدنيا": الكهف - 46 ، وقال:"تبتغون عرض الحيوة الدنيا": النساء - 94 ، وقال - وهو أجمع للغرض -:"و لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى": طه - 131 ، وقال أيضا:"و ما أوتيتم من شيء فمتاع الحيوة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أ فلا تعقلون": القصص - 60 ، إلى غير ذلك من الآيات ، وجميعها تبين أن هذه النعم الموجودة في الدنيا ، واللذائذ المتعلقة بها أمور مقصودة لأجل الحيوة وأمتعة يتمتع بها لأجل الحيوة هذه الحيوة المحدودة التي لا تتعدى أياما قلائل ، فلو لا الحيوة لما كانت هي مقصودة ولا مخلوقة ، وهذا هو حق الأمر!.

لكن يجب أن يعلم أن وجود الإنسان الباقي ليس إلا هذا الوجود الذي يمكث هاهنا برهة من الزمان بتحوله من طور إلى طور ، وليس ذلك إلا روحا كائنا من بدن وعلى بدن هو مجموع هذه الأجزاء المأخوذة من هذه العناصر والقوى الفعالة فيها ، ولو فرض ارتفاع هذه الأمور التي نعدها مقدمات مقصودة للبقاء لم يبق وجود ولا بقاء أعني أن فرض عدمها هو فرض عدم الإنسان رأسا لا فرض عدم استمرار وجود الإنسان فافهم ذلك.

فالإنسان في الحقيقة هو الذي ينشعب أفرادا ويأكل ويشرب وينكح ويتصرف في كل شيء بالأخذ والإعطاء ويحس ويتخيل ويعقل ويسر ويفرح ويبتهج وهكذا ، كل ذلك ملائم لذاته الذي هو كالمجموع منها وبعضها مقدمة لبعضها ، وهو السائر الدائر في مثل مسافة دورية.

فإذا نقله الله من دار الفناء إلى دار البقاء وكتب عليه الخلود والدوام إما بثواب دائم أو بعقاب دائم لم يكن ذلك بإبطال وجوده وإيجاد وجود باق بل بإثبات وجوده بعد ما كان متغيرا في معرض الزوال فهو لا محالة إما متنعم بنعم من سنخ نعم الدنيا لكنها باقية أو نقم ومصائب من سنخ نقم الدنيا ومصائبها.

وكل ذلك منكوح أو مأكول أو مشروب أو ملبوس أو مسكون أو قرين أو سرور أو نحو ذلك.

فالإنسان هو الإنسان وما يحتاج إليه ويستكمل به هو الذي كان يحتاج إليه ويستكمل به من مطالبه ومقاصده وإنما الفرق هو اختلاف الدارين بالبقاء وما يلحق به.

هذا هو الذي يظهر من كلامه سبحانه حيث يبين حقيقة البنية الإنسانية فيقول:"و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون": المؤمنون - 16 ، انظر إلى موضع قوله: ولقد خلقنا ، والخلق هو الجمع والتركيب ، وإلى موضع قوله: ثم أنشأناه ، الدال على تبديل نحو الخلق والإيجاد ، وإلى موضع قوله: ثم إنكم يوم القيامة ، والمخاطب به هو الذي أنشىء خلقا آخر.

ويقول أيضا:"قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون": الأعراف - 25 فيفيد أن حيوة الإنسان حيوة أرضية مؤلفة من نعمها ومن نقمها.

وتقدم بعض الكلام في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة الآية: البقرة - 213."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت