فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 4314

و قد قال تعالى في هذه النعم الأرضية:"ذلك متاع الحيوة الدنيا"ثم قال:"و ما الحيوة الدنيا في الآخرة إلا متاع: الرعد - 26 ، فجعل نفس الحيوة الدنيا متاعا في الآخرة يتمتع به ، وهذا من أبدع البيان ، وباب ينفتح به للمتدبر ألف باب ، وفيه تصديق قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون."

وبالجملة الحيوة الدنيا هي الوجود الدنيوي بما كسب من حسنة أو سيئة وهو الذي يتمتع به في الآخرة من حيث سعادته وشقائه أي ما يراه فوزا وفلاحا لنفسه وما يراه خيبة وخسرانا فيعطى سعادته بإعطاء لذائذه أو يحرم من نيلها وهما نعيم الجنة وعذاب النار.

وبعبارة أخرى واضحة ، للإنسان مثلا سعادة بحسب الطبيعة وشقاء بحسبها في بقائه شخصا ونوعا وهما منوطتان بفعله الطبيعي من الأكل والشرب والنكاح وقد زينت له بلذائذ مقدمية وهذا بحسب الطبيعة ثم إذا أخذ الإنسان في الاستكمال وأخذ في الفعالية بالشعور والإرادة صار نوعا كماله هو الذي يختاره شعوره وإرادته فما لا يشعر به ولا يشاؤه ليس كمالا لهذا الموجود الشاعر المريد وإن كان كمالا طبيعيا وكذا العكس كما نرى أنا لا نلتذ بما لا نشعر به وإن كان من سعادة الطبيعة كصحة البدن والمال والولد ، ونلتذ بما نشعر به من اللذائذ وإن لم يطابق الخارج كالمريض المعتقد للصحة ونظائر ذلك فهذه اللذائذ المقدمية تصير كمالا حقيقيا لهذا الإنسان وإن كانت كمالات مقدمية للطبيعة فإذا أبقى الله سبحانه هذا الإنسان بقاء مخلدا كانت سعادته هي التي يشاؤها من اللذائذ ، وشقاؤه هو الذي لا يشاؤه سواء كانت بحسب الطبيعة مقدمة أو لم يكن ، إذ من البديهي أن خير الشخص أو القوة الشاعرة المريدة هو فيما يعلم به ويشاؤه ، وشره فيما يعلم به ولا يريده.

فقد تحصل أن سعادة الإنسان أن ينال في الآخرة ما كان يريده من لذائذ الحيوة في الدنيا من الأكل والشرب والنكاح وما فوق ذلك وهو الجنة ، وشقاؤه أن لا ينال ذلك وهو النار.

قال تعالى:"لهم فيها ما يشاءون": النحل - 31.

قوله تعالى: الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار وصف للمتقين المدلول عليهم بقوله في الآية السابقة: للذين اتقوا ، فوصفهم أنهم يقولون ربنا وفيه إظهار للعبودية بذكره تعالى بالربوبية واسترحام منه تعالى فيما يسألونه بقولهم: إننا آمنا ، والجملة ليست في مقام الامتنان عليه تعالى فإن المن منه تعالى بالإيمان كما قال تعالى:"بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان": الحجرات - 17 بل استنجاز لما وعد الله تعالى عباده أنه يغفر لمن آمن منهم ، قال تعالى:"و آمنوا به يغفر لكم": الأحقاف - 31 ، ولذلك فرعوا عليه قولهم: فاغفر لنا ذنوبنا ، بفاء التفريع.

وفي تأكيد قولهم بأن دلالة على صدقهم وثباتهم في إيمانهم.

والمغفرة للذنوب لا يستلزم التخلص من العذاب بمعنى أن الوقاية من عذاب النار فضل من الله سبحانه بالنسبة إلى من آمن به وعبده من غير استحقاق من العبد يثبت له حقا على الله سبحانه أن يجيره من عذاب النار ، أو ينعمه بالجنة فإن الإيمان والإطاعة أيضا من نعمه ولا يملك غيره تعالى منه شيئا إلا ما جعله على نفسه من حق ، ومن الحق الذي جعل على نفسه لعباده أن يغفر لهم ويقيهم عذاب النار إن آمنوا به ، قال تعالى:"و آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم": الأحقاف - 31.

وربما استفيد من بعض الآيات أن الوقاية من عذاب النار هو المغفرة والجنة كقوله تعالى:"هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن": الصف - 12 ، فإن في الآيتين الأخيرتين تفصيل لما أجمل في الآية الأولى من قوله: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، وهذا معنى دقيق سنشرحه في مورد يناسبه إن وفقنا له.

قوله تعالى: الصابرين والصادقين إلى آخر الآية وصفهم بخمس خصال لا يشذ منها تقوى من متق ، فالصبر لسبقه على بقية الخصال وإطلاقه يشمل أقسام الصبر ، وهي ثلاث: صبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية ، وصبر عند المصيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت