فهرس الكتاب

الصفحة 578 من 4314

و الصدق وإن كان بحسب تحليل حقيقته هو مطابقة ظاهر الإنسان من قول وفعل لباطنه لكنه بهذا المعنى يشتمل جميع الفضائل الباقية كالصبر والقنوت وغيرهما وليس بمراد فالمراد به والله أعلم الصدق في القول فحسب.

والقنوت هو الخضوع لله سبحانه ويشمل العبادات وأقسام النسك والإنفاق هو بذل المال لمن يستحق البذل والاستغفار بالأسحار يستلزم قيام آخر الليل والاستغفار فيه ، والسنة تفسره بصلوة الليل والاستغفار في قنوت الوتر ، وقد ذكر الله أنه سبيل الإنسان إلى ربه كما في سورتي المزمل والدهر من قوله تعالى بعد ذكر قيام الليل والتهجد به:"إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا": المزمل - 19 الدهر - 29.

قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ، أصل الشهادة هو المعاينة أعني تحمل العلم عن حضور وحس ثم استعمل في أدائها وإظهار الشاهد ما تحمله من العلم ثم صار كالمشترك بين التحمل والتأدية بعناية وحدة الغرض فإن التحمل يكون غالبا لحفظ الحق والواقع من أن يبطل بنزاع أو تغلب أو نسيان أو خفاء فكانت الشهادة تحفظا على الحق والواقع ، فبهذه العناية كان التحمل والتأدية كلاهما شهادة أي حفظا وإقامة للحق والقسط هو العدل.

ولما كانت الآيات السابقة أعني قوله: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ، إلى قوله: والمستغفرين بالأسحار ، تبين: أن الله سبحانه لا إله غيره ولا يغني عنه شيء ، وأن ما يحسبه الإنسان مغنيا عنه ويركن إليه في حيوته ليس إلا زينة وإلا متاعا خلقه الله ليتمتع به في سبيل ما هو خير منه ولا ينال إلا بتقوى الله تعالى ، وبعبارة أخرى: هذه النعم التي يحن إليها الإنسان مشتركة في الدنيا بين الكافر والمؤمن مختصة في الآخرة بالمؤمن أقام الشهادة في هذه الآية على أن هذا الذي بينته الآيات حق لا ينبغي أن يرتاب فيه.

فشهد وهو الله عز اسمه على أنه لا إله إلا هو وإذ ليس هناك إله غيره فليس هناك أحد يغني منه شيئا من مال أو ولد أو غير ذلك من زينة الحيوة أو أي سبب من الأسباب إذ لو أغنى شيء من هذه منه شيئا لكان إلها دونه أو معتمدا إلى إله دونه منتهيا إليه ولا إله غيره.

شهد بهذه الشهادة وهو قائم بالقسط في فعله ، حاكم بالعدل في خلقه إذ دبر أمر العالم بخلق الأسباب والمسببات وإلقاء الروابط بينها ، وجعل الكل راجعا إليه بالسير والكدح والتكامل وركوب طبق ، عن طبق ووضع في مسير هذا المقصد نعما لينتفع منها الإنسان في عاجله لأجله وفي طريقه لمقصده لا ليركن إليه ويستقر عنده فالله يشهد بذلك وهو شاهد عدل.

ومن لطيف الأمر أن عدله يشهد على نفسه وعلى وحدته في ألوهيته أي إن عدله ثابت بنفسه ومثبت لوحدانيته ، بيان ذلك: أنا إنما نعتبر في الشاهد العدالة ليكون جاريا على مستوى طريق الحيوة ملازما لصراط الفطرة من غير أن يميل إلى إفراط أو تفريط فيضع الفعل في غير موضعه فتكون شهادته مأمونة عن الكذب والزور فملازمة الصدق والمجاراة مع صراط التكوين يوجب عدالة الإنسان فنفس النظام الحاكم في العالم والجاري بين أجزائه الذي هو فعله سبحانه هو العدل محضا.

ونحن في جميع الوقائع التي لا ترضى بها نفوسنا من الحوادث الكونية أو نجدها على خلاف ما نميل إليه ونطمع فيه ثم نعترض عليها ونناقش فيها إنما نذكر في الاعتراض عليه ما يظهر لنا من حكم عقولنا أو تميل إليه غرائزنا ، وجميع ذلك مأخوذة من نظام الكون ثم نبحث عنها فيظهر سبب الحادثة فتسقط الشبهة أو نعجز عن الحصول على السبب فلا يقع في أيدينا إلا الجهل بالسبب أي عدم العلم دون العلم بالعدم ، فنظام الكون وهو فعل الله سبحانه هو العدل فافهم ذلك.

ولو كان هناك إله يغني منه في شيء من الأمور لم يكن نظام التكوين عدلا مطلقا بل كان فعل كل إله عدلا بالنسبة إليه وفي دائرة قضائه وعمله.

وبالجملة فالله سبحانه يشهد ، وهو شاهد عدل ، على أنه لا إله إلا هو يشهد لذلك بكلامه وهو قوله: شهد الله أنه لا إله إلا هو ، على ما هو ظاهر الآية الشريفة ، فالآية في اشتمالها على شهادته تعالى للتوحيد نظيرة قوله تعالى:"لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا": النساء - 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت