فهرس الكتاب

الصفحة 611 من 4314

و في حكايته تعالى لما قالتها عن جزم دلالة على أن اعتقادها ذلك لم يكن عن جزاف أو اعتمادا على بعض القرائن الحدسية التي تسبق إلى أذهان النسوان بتجارب ونحوه فكل ذلك ظن ، والظن لا يغني من الحق شيئا ، وكلامه تعالى لا يشتمل على باطل إلا مع إبطاله ، وقد قال تعالى:"الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد": الرعد - 8 ، وقال تعالى:"عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام": لقمان - 34 ، فجعل العلم بما في الأرحام من الغيب المختص به تعالى ، وقال تعالى:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى": الجن - 27 ، فجعل علم غيره بالغيب منتهيا إلى الوحي فحكايته عنها الجزم في القول فيما يختص علمه بالله سبحانه يدل على أن علمها بذكورة ما في بطنها كان ينتهي بوجه إلى الوحي ، ولذلك لما تبينت أن الولد أنثى لم تيأس عن ولد ذكر فقالت ثانيا عن جزم وقطع: وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم الآية فأثبتت لها ذرية ولا سبيل إلى العلم به ظاهرا.

ومفعول قولها: فتقبل مني ، وإن كان محذوفا محتملا لأن يكون هو.

نذرها من حيث إنه عمل صالح أو يكون هو ولدها المحرر لكن قوله تعالى: فتقبلها ربها بقبول حسن ، لا يخلو عن إشعار أو دلالة على كون مرادها هو قبول الولد المحرر.

قوله تعالى: فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى ، في وضع الضمير المؤنث موضع ما في بطنها إيجاز لطيف ، والمعنى فلما وضعت ما في بطنها وتبينت أنه أنثى قالت: رب إني وضعتها أنثى ، وهو خبر أريد به التحسر والتحزن دون الإخبار وهو ظاهر.

قوله تعالى: والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ، جملتان معترضتان وهما جميعا مقولتان له تعالى لا لامرأة عمران ، ولا أن الثانية مقولة لها والأولى مقولة لله.

أما الأولى فهي ظاهرة لكن لما كانت قولها رب إني وضعتها أنثى ، مسوقا لإظهار التحسر كان ظاهر قوله: والله أعلم بما وضعت ، أنه مسوق لبيان أنا نعلم أنها أنثى لكنا أردنا بذلك إنجاز ما كانت تتمناه بأحسن وجه وأرضى طريق ، ولو كانت تعلم ما أردناه من جعل ما في بطنها أنثى لم تتحسر ولم تحزن ذاك التحسر والتحزن والحال أن الذكر الذي كانت ترجوه لم يكن ممكنا أن يصير مثل هذا الأنثى التي وهبناها لها ، ويترتب عليه ما يترتب على خلق هذه الأنثى فإن غاية أمره أن يصير مثل عيسى نبيا مبرئا للأكمه والأبرص ومحييا للموتى لكن هذه الأنثى ستتم به كلمة الله وتلد ولدا بغير أب ، وتجعل هي وابنها آية للعالمين ، ويكلم الناس في المهد ، ويكون روحا وكلمة من الله ، مثله عند الله كمثل آدم إلى غير ذلك من الآيات الباهرات في خلق هذه الأنثى الطاهرة المباركة وخلق ابنها عيسى (عليه السلام) .

ومن هنا يظهر: أن قوله: وليس الذكر كالأنثى ، مقول له تعالى لا لامرأة عمران ، ولو كان مقولا لها لكان حق الكلام أن يقال: وليس الأنثى كالذكر لا بالعكس وهو ظاهر فإن من كان يرجو شيئا شريفا أو مقاما عاليا ثم رزق ما هو أخس منه وأردأ إنما يقول عند التحسر: ليس هذا الذي وجدته هو الذي كنت أطلبه وأبتغيه ، أو ليس ما رزقته كالذي كنت أرجوه ، ولا يقول: ليس ما كنت أرجوه كهذا الذي رزقته البتة ، وظهر من ذلك أن اللام في الذكر والأنثى معا أو في الأنثى فقط للعهد.

وقد أخذ أكثر المفسرين قوله: وليس الذكر كالأنثى ، تتمة قول امرأة عمران ، وتكلفوا في توجيه تقديم الذكر على الأنثى بما لا يرجع إلى محصل ، من أراده فليرجع إلى كتبهم.

قوله تعالى: وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ، معنى مريم في لغتهم العابدة والخادمة على ما قيل ، ومنه يعلم وجه مبادرتها إلى تسمية المولودة عند الوضع ، ووجه ذكره تعالى لتسميتها بذلك فإنها لما أيست من كون الولد ذكرا محررا للعبادة وخدمة الكنيسة بادرت إلى هذه التسمية وأعدتها بالتسمية للعبادة والخدمة.

فقولها: وإني سميتها مريم بمنزلة أن تقول: إني جعلت ما وضعتها محررة لك ، والدليل على كون هذا القول منها في معنى النذر قوله تعالى: فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا الآية.

ثم أعاذتها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم ليستقيم لها العبادة والخدمة ويطابق اسمها المسمى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت