فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 4314

و الكلام في قولها: وذريتها ، من حيث إنه قول مطلق من شرط وقيد لا يصح انتفوه به في حضرة التخاطب ممن لا علم له به مع أن مستقبل حال الإنسان من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه ، نظير الكلام في قولها رب إني نذرت لك ما في بطني محررا ، على ما تقدم بيانه فليس إلا أنها كانت تعلم أن سترزق من عمران ولدا ذكرا صالحا ثم لما حملت وتوفي عمران لم تشك أن ما في بطنها هو ذلك الولد الموعود ، ثم لما وضعتها وبان لها خطأ حدسها أيقنت أنها سترزق ذلك الولد من نسل هذه البنت المولودة فحولت نذرها من الابن إلى البنت ، وسمتها مريم العابدة ، الخادمة وأعاذتها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم هذا ما يعطيه التدبر في كلامه تعالى.

قوله تعالى: فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا ، القبول إذا قيد بالحسن كان بحسب المعنى هو التقبل الذي معناه القبول عن الرضا ، فالكلام في معنى قولنا: فتقبلها ربها تقبلا فإنما حلل التقبل إلى القبول الحسن ليدل على أن حسن القبول مقصود في الكلام ، ولما في التصريح بحسن القبول من التشريف البارز.

وحيث قوبل بهاتين الجملتين أعني قوله: فتقبلها إلى قوله: حسنا ، الجملتان في قولها: وإني سميتها إلى قولها: الرجيم كان مقتضى الانطباق أن يكون قوله: فتقبلها ربها بقبول حسن ، قبولا لقولها وإني سميتها مريم ، وقوله: وأنبتها نباتا حسنا ، قبولا وإجابة لقولها: وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ، فالمراد بتقبلها بقبول حسن ليس هو القبول بمعنى قبول تقرب امرأة عمران بالنذر ، وإعطاء الثواب الأخروي لعملها فإن القبول إنما نسب إلى مريم لا إلى النذر وهو ظاهر بل قبول البنت بما أنها مسماة بمريم ومحررة فيعود معناه إلى اصطفائها وقد مر أن معنى الاصطفاء هو التسليم التام لله سبحانه فافهم ذلك.

والمراد بإنباتها نباتا حسنا إعطاء الرشد والزكاة لها ولذريتها ، وإفاضة الحيوة لها ولمن ينمو منها من الذرية حيوة لا يمسها نفث الشيطان ورجس تسويله ووسوسته ، وهو الطهارة.

وهذان أعني القبول الحسن الراجع إلى الاصطفاء ، والنبات الحسن الراجع إلى التطهير هما اللذان يشير إليهما قوله تعالى في ذيل هذه الآية: وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك الآية وسنوضحه بيانا إن شاء الله العزيز.

فقد تبين أن اصطفاء مريم وتطهيرها إنما هما استجابة لدعوة أمها كما أن اصطفاءها على نساء العالمين في ولادة عيسى ، وكونها وابنها آية للعالمين تصديق لقوله تعالى: وليس الذكر كالأنثى.

قوله تعالى: وكفلها زكريا ، وإنما كفلها بإصابة القرعة حيث اختصموا في تكفلها ثم تراضوا بينهم بالقرعة فأصابت القرعة زكريا كما يدل عليه قوله تعالى: وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ، الآية.

قوله تعالى: كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا"الخ"المحراب المكان المخصوص بالعبادة من المسجد والبيت ، قال الراغب: ومحراب المسجد ، قيل: سمي بذلك لأنه موضع محاربة الشيطان والهوى ، وقيل: سمي بذلك لكون حق الإنسان فيه أن يكون حريبا أي سليبا من أشغال الدنيا ومن توزع الخاطر ، وقيل الأصل فيه أن محراب البيت صدر المجلس ثم اتخذت المساجد فسمي صدره به وقيل: بل المحراب أصله في المسجد وهو اسم خص به صدر المجلس فسمي صدر البيت محرابا تشبيها بمحراب المسجد ، وكان هذا أصح ، قال عز وجل: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ، انتهى.

وذكر بعضهم أن المحراب هنا هو ما يعبر عنه أهل الكتاب بالمذبح ، وهو مقصورة في مقدم المعبد ، لها باب يصعد إليه بسلم ذي درجات قليلة ، ويكون من فيه محجوبا عمن في المعبد.

أقول: وإليه ينتهي اتخاذ المقصورة في الإسلام.

وفي تنكير قوله: رزقا ، إشعار بكونه رزقا غير معهود كما قيل: إنه كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء ، ويؤيده أنه لو كان من الرزق المعهود ، وكان تنكيره يفيد أنه ما كان يجد محرابها خاليا من الرزق بل كان عندها رزق ما دائما لم يقنع زكريا بقولها: هو من عند الله إن الله يرزق"الخ"في جواب قوله: يا مريم أنى لك هذا ، لإمكان أن يكون يأتيها بعض الناس ممن كان يختلف إلى المسجد لغرض حسن أو سيىء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت