فهرس الكتاب

الصفحة 613 من 4314

على أن قوله تعالى: هنالك دعا زكريا ربه"الخ"، يدل على أن زكريا تلقى وجود هذا الرزق عندها كرامة إلهية خارقة فأوجب ذلك أن يسأل الله أن يهب له من لدنه ذرية طيبة ، فقد كان الرزق رزقا يدل بوجوده على كونه كرامة من الله سبحانه لمريم الطاهرة ، ومما يشعر بذلك قوله تعالى: قال يا مريم"الخ"على ما سيجيء من البيان.

وقوله: قال يا مريم أنى لك"الخ"فصل الكلام من غير أن يعطف على قوله: وجد عندها رزقا ، يدل على أنه (عليه السلام) إنما قال لها ذلك مرة واحدة فأجابت بما قنع به واستيقن أن ذلك كرامة لها وهنالك دعا وسأل ربه ذرية طيبة.

قوله تعالى: هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة"الخ"، طيب الشيء ملاءمته لصاحبه فيما يريده لأجله فالبلد الطيب ما يلائم حيوة أهله من حيث الماء والهواء والرزق ونحو ذلك ، قال تعالى:"و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه": الأعراف - 58 ، والعيشة الطيبة والحيوة الطيبة ما يلائم بعض أجزائها بعضا ويسكن إليها قلب صاحبها ومنه الطيب للعطر الزكي فالذرية الطيبة هو الولد الصالح لأبيه مثلا الذي يلائم من حيث صفاته وأفعاله ما عند أبيه من الرجاء والأمنية فقول زكريا (عليه السلام) : رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ، لما كان الباعث له عليه ما شاهد من أمر مريم وخصوص كرامتها على الله وامتلاء قلبه من شأنها لم يملك من نفسه دون أن يسأل الله أن يهب له مثلها خطرا وكرامة ، فكون ذريته طيبة أن يكون لها ما لمريم من الكرامة عند الله والشخصية في نفسها ، ولذلك استجيب في عين ما سأله من الله ، ووهب له يحيى وهو أشبه الأنبياء بعيسى (عليه السلام) ، وأجمع الناس لما عند عيسى وأمه مريم الصديقة من صفات الكمال والكرامة ، ومن هنا ما سماه تعالى بيحيى وجعله مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ، وهذه أقرب ما يمكن أن يشابه بها إنسان مريم وابنها عيسى (عليه السلام) على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك بيحيى إلى آخر الآية ، ضمائر الغيبة والخطاب لزكريا ، والبشرى والإبشار والتبشير الإخبار بما يفرح الإنسان بوجوده.

وقوله: إن الله يبشرك بيحيى ، دليل على أن تسميته بيحيى إنما هو من جانب الله سبحانه كما تدل عليه نظائر هذه الآيات في سورة مريم ، قال تعالى:"يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا": مريم - 7.

وتسميته بيحيى وكون التسمية من عند الله سبحانه في بدء ما بشر به زكريا قبل تولد يحيى وخلقه يؤيد ما ذكرناه آنفا: أن الذي طلبه زكريا من ربه أن يرزقه ولدا يكون شأنه شأن مريم ، وقد كانت مريم هي وابنها عيسى (عليه السلام) آية واحدة كما قال تعالى:"و جعلناها وابنها آية للعالمين": الأنبياء - 91.

فروعي في يحيى ما روعي فيهما من عند الله سبحانه ، وقد روعي في عيسى كمال ما روعي في مريم ، فالمرعي في يحيى هو الشبه التام والمحاذاة الكاملة مع عيسى (عليه السلام) فيما يمكن ذلك ، ولعيسى في ذلك كله التقدم التام لأن وجوده كان مقدرا قبل استجابة دعوة زكريا في حق يحيى ، ولذلك سبقه عيسى في كونه من أولي العزم صاحب شريعة وكتاب وغير ذلك لكنهما تشابها وتشابه أمرهما فيما يمكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت