فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 4314

قوله تعالى: واصطفاك على نساء العالمين قد تقدم في قوله تعالى: إن الله اصطفى إلى قوله: على العالمين أن الاصطفاء المتعدي بعلى يفيد معنى التقدم ، وأنه غير الاصطفاء المطلق الذي يفيد معنى التسليم ، وعلى هذا فاصطفاؤها على نساء العالمين تقديم لها عليهن.

وهل هذا التقديم تقديم من جميع الجهات أو من بعضها؟ ظاهر قوله تعالى فيما بعد الآية: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك الآية ، وقوله تعالى:"و التي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين": الأنبياء - 91 وقوله تعالى:"و مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين": التحريم - 12 ، حيث لم تشتمل مما تختص بها من بين النساء إلا على شأنها العجيب في ولادة المسيح (عليه السلام) أن هذا هو وجه اصطفائها وتقديمها على النساء من العالمين.

وأما ما اشتملت عليه الآيات في قصتها من التطهير والتصديق بكلمات الله وكتبه ، والقنوت وكونها محدثة فهي أمور لا تختص بها بل يوجد في غيرها ، وأما ما قيل: إنها مصطفاة على نساء عالمي عصرها فإطلاق الآية يدفعه.

قوله تعالى: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ، القنوت هو لزوم الطاعة عن خضوع على ما قيل ، والسجدة معروفة.

والركوع هو الانحناء أو مطلق التذلل.

ولما كان النداء يوجب تلفيت نظر المنادى اسم مفعول وتوجيه فهمه نحو المنادي اسم فاعل كان تكرار النداء في المقام بمنزلة أن يقال لها: إن لك عندنا نبأ بعد نبإ فاستمعي لهما وأصغي إليهما: أحدهما ما أكرمك الله به من منزلة وهو ما لك عند الله ، والثاني ما يلزمك من وظيفة العبودية بالمحاذاة ، وهو ما لله سبحانه عندك ، فيكون هذا إيفاء للعبودية وشكرا للمنزلة فيئول معنى الكلام إلى كون قوله: يا مريم اقنتي"الخ"بمنزلة التفريع لقوله: يا مريم إن الله اصطفيك"الخ"أي إذا كان كذلك فاقنتي واسجدي واركعي مع الراكعين ، ولا يبعد أن يكون كل واحدة من الخصال الثلاث المذكورة في هذه الآية فرعا لواحدة من الخصال الثلاث المذكورة في الآية السابقة ، وإن لم يخل عن خفاء فليتأمل.

قوله تعالى: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ، عده من أنباء الغيب نظير ما عدت قصة يوسف (عليه السلام) من أنباء الغيب التي توحى إلى رسول الله ، قال تعالى: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون": يوسف - 102 ، وأما ما يوجد من ذلك عند أهل الكتاب فلا عبرة به لعدم سلامته من تحريف المحرفين كما أن كثيرا من الخصوصيات المقتصة في قصص زكريا غير موجودة في كتب العهدين على ما وصفه الله في القرآن."

ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى في ذيل الآية: وما كنت لديهم إذ يلقون"الخ".

على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقومه كانوا أميين غير عالمين بهذه القصص ولا أنهم قرءوها في الكتب كما ذكره تعالى بعد سرد قصة نوح:"تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا": هود - 49 ، والوجه الأول أوفق بسياق الآية.

قوله تعالى: وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم"الخ"، القلم بفتحتين القدح الذي يضرب به القرعة ، ويسمى سهما أيضا ، وجمعه أقلام ، فقوله: يلقون أقلامهم أي يضربون بسهامهم ليعينوا بالقرعة أيهم يكفل مريم.

وفي هذه الجملة دلالة على أن الاختصام الذي يدل عليه قوله: وما كنت لديهم إذ يختصمون إنما هو اختصامهم وتشاحهم في كفالة مريم ، وأنهم لم يتناهوا حتى تراضوا بالاقتراع بينهم فضربوا بالقرعة فخرج السهم لزكريا فكفلها بدليل قوله: وكفلها زكريا ، الآية.

وربما احتمل بعضهم أن هذا الاختصام والاقتراع بعد كبرها وعجز زكريا عن كفالتها ، وكان منشؤه ذكر هذا الاقتراع والاختصام بعد تمام قصة ولادتها واصطفائها وذكر كفالة زكريا في أثنائها ، فيكونان واقعتين اثنتين.

وفيه أنه لا ضير في إعادة بعض خصوصيات القصة أو ما هو بمنزلة الإعادة لتثبيت الدعوى كما وقع نظيره في قصة يوسف حيث قال تعالى بعد تمام القصة -:"ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون": يوسف - 102 يشير بذلك إلى معنى قوله تعالى في أوائل القصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت