فهرس الكتاب

الصفحة 622 من 4314

"إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة - إلى أن قال: لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين": يوسف - 10.

قوله تعالى: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك"الخ"، الظاهر أن هذه البشارة هي التي يشتمل عليها قوله تعالى في موضع آخر:"فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا الآيات": مريم - 19 ، فتكون البشارة المنسوبة إلى الملائكة هاهنا هي المنسوبة إلى الروح فقط هناك.

وقد قيل في وجهه إن المراد بالملائكة هو جبرئيل ، عبر بالجمع عن الواحد تعظيما لأمره كما يقال: سافر فلان فركب الدواب وركب السفن ، وإنما ركب دابة واحدة وسفينة واحدة ، ويقال: قال له الناس كذا ، وإنما قاله واحد وهكذا ، ونظير الآية قوله في قصة زكريا السابقة: فنادته الملائكة ثم قوله: قال كذلك الله يفعل ما يشاء الآية.

وربما قيل: إن جبرئيل كان معه غيره فاشتركوا في ندائها.

والذي يعطيه التدبر في الآيات التي تذكر شأن الملائكة أن بين الملائكة تقدما وتأخرا من حيث مقام القرب ، وأن للمتأخر التبعية المحضة لأوامر المتقدم بحيث يكون فعل المتأخر رتبة ، عين فعل المتقدم ، وقوله عين قوله نظير ما نشاهده ونذعن به من كون أفعال قوانا وأعضائنا عين أفعالنا من غير تعدد فيه تقول: رأته عيناي وسمعته أذناي ، ورأيته وسمعته ، ويقال فعلته جوارحي وكتبته يدي ورسمته أناملي وفعلته أنا وكتبته أنا ، وكذلك فعل المتبوع من الملائكة فعل التابعين له المؤتمرين لأمره بعينه ، وقوله قولهم من غير اختلاف ، وبالعكس كما أن فعل الجميع فعل الله سبحانه وقولهم قوله ، كما قال تعالى:"الله يتوفى الأنفس حين موتها": الزمر - 42 ، فنسب التوفي إلى نفسه ، وقال:"قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم": السجدة - 11 ، فنسبه إلى ملك الموت وقال:"حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا": الأنعام - 61 ، فنسبه إلى جمع من الملائكة.

ونظيره قوله تعالى:"إنا أوحينا إليك": النساء - 163 ، وقوله: نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء - 194 ، وقوله: من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك": البقرة - 97 ، وقوله: كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة": عبس - 16."

فظهر أن بشارة جبرئيل هي عين بشارة من هو تحت أمره من جماعة الملائكة وهو من سادات الملائكة ومقربيهم على ما يدل عليه قوله تعالى:"إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين": التكوير - 21 ، وسيأتي زيادة توضيح لهذا الكلام في سورة فاطر إن شاء الله تعالى.

ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى في الآية التالية: قال كذلك الله يخلق ما يشاء ، فإن ظاهره أن القائل هو الله سبحانه مع أنه نسب هذا القول في سورة مريم في القصة إلى الروح ، قال تعالى:"قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين الآيات": مريم - 21.

وفي تكلم الملائكة والروح مع مريم دلالة على كونها محدثة بل قوله تعالى في سورة مريم في القصة بعينها:"فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا": مريم - 17 ، يدل على معاينتها الملك زيادة على سماعها صوته ، وسيجيء تمام الكلام في المعنى في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.

قوله تعالى: بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم ، قد مر البحث في معنى كلامه تعالى في تفسير قوله:"تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض": البقرة - 253.

والكلمة والكلم كالتمرة والتمر جنس وفرد وتطلق الكلمة على اللفظ الواحد الدال على المعنى ، وعلى الجملة سواء صح السكوت عليها مثل زيد قائم أو لم يصح مثل إن كان زيد قائما ، هذا بحسب اللغة ، وأما بحسب ما يصطلح عليه القرآن أعني الكلمة المنسوبة إلى الله تعالى فهي الذي يظهر به ما أراده الله تعالى من أمر نحو كلمة الإيجاد وهو قوله تعالى لشيء أراده: كن ، أو كلمة الوحي والإلهام ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت