فهرس الكتاب

الصفحة 623 من 4314

و أما المراد بالكلمة فقد قيل: إن المراد به المسيح (عليه السلام) من جهة أن من أسبقه من الأنبياء أو خصوص أنبياء بني إسرائيل بشروا به بعنوان أنه منجي بني إسرائيل ، يقال في نظير المورد هذه كلمتي التي كنت أقولها ، ونظيره قوله تعالى في ظهور موسى (عليه السلام) :"و تمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا": الأعراف - 137 ، وفيه أن ذلك وإن كان ربما ساعده كتب العهدين لكن القرآن الكريم خال عن ذلك بل القرآن يعد عيسى بن مريم مبشرا لا مبشرا به ، على أن سياق قوله: اسمه المسيح لا يناسبه فإن الكلمة على هذا ظهور عيسى المخبر به قبلا لا نفس عيسى ، وظاهر قوله: اسمه المسيح ، أن المسيح اسم الكلمة لا اسم من تقدمت في حقه الكلمة.

وربما قيل: إن المراد به عيسى (عليه السلام) لإيضاحه مراده تعالى بالتوراة ، وبيانه تحريفات اليهود وما اختلفوا فيه من أمور الدين كما حكى الله تعالى عنه ذلك فيما يخاطب به بني إسرائيل:"و لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه": الزخرف - 63 ، وفيه أنه نكتة تصحح هذا التعبير لكنها خالية عما يساعدها من القرائن.

وربما قيل: إن المراد بكلمة منه البشارة نفسها ، وهي الإخبار بحملها بعيسى وولادته فمعنى قوله: يبشرك بكلمة منه: يبشرك ببشارة هي أنك ستلدين عيسى من غير مس بشر ، وفيه أن سياق الذيل أعني قوله: اسمه المسيح لا يلائمه وهو ظاهر.

وربما قيل: إن المراد به عيسى (عليه السلام) من جهة كونه كلمة الإيجاد أعني قوله: كن وإنما اختص عيسى (عليه السلام) بذلك مع كون كل إنسان بل كل شيء موجودا بكلمة كن التكوينية لأن سائر الأفراد من الإنسان يجري ولادتهم على مجرى الأسباب العادية المألوفة في العلوق من ورود ماء الرجل على نطفة الإناث ، وعمل العوامل المقارنة في ذلك ، ولذلك يسند العلوق إليه كما يسند سائر المسببات إلى أسبابها ، ولما لم يجر علوق عيسى هذا المجرى وفقد بعض الأسباب العادية التدريجية كان وجوده بمجرد كلمة التكوين من غير تخلل الأسباب العادية فكان نفس الكلمة كما يؤيده قوله تعالى:"و كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه": النساء - 171 ، وقوله تعالى في آخر هذه الآيات:"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون"الآية ، وهذا أحسن الوجوه.

والمسيح هو الممسوح سمي به عيسى (عليه السلام) لأنه كان مسيحا باليمن والبركة أو لأنه مسح بالتطهير من الذنوب ، أو مسح بدهن زيت بورك فيه وكانت الأنبياء يمسحون به أو لأن جبرائيل مسحه بجناحه حين ولادته ليكون عوذة من الشيطان ، أو لأنه كان يمسح رءوس اليتامى ، أو لأنه كان يمسح عين الأعمى بيده فيبصر ، أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده إلا برأ ، فهذه وجوه ذكروها في تسميته بالمسيح.

لكن الذي يمكن أن يعول عليه أن هذا اللفظ كان واقعا في ضمن البشارة التي بشر بها جبرائيل مريم (عليهما السلام) على ما يحكيه تعالى بقوله: إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم"، وهذا اللفظ بعينه معرب"مشيحا"الواقع في كتب العهدين."

والذي يستفاد منها أن بني إسرائيل كان من دأبهم أن الملك منهم إذا قام بأمر الملك مسحته الكهنة بالدهن المقدس ليبارك له في ملكه فكان يسمى مشيحا فمعناه: إما الملك وإما المبارك.

وقد يظهر من كتبهم أنه (عليه السلام) إنما سمي مشيحا من جهة كون بشارته متضمنا لملكه ، وأنه سيظهر في بني إسرائيل ملكا عليهم منجيا لهم كما يلوح ذلك من إنجيل لوقا في بشارة مريم ، قال: فلما دخل إليها الملك قال السلام لك يا ممتلية نعمة الرب معك مباركة أنت في النساء ، فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت ما هذا السلام ، فقال لها الملك لا تخافي يا مريم فقد ظفرت بنعمة من عند الله ، وأنت تحبلين وتلدين ابنا وتدعين اسمه يسوع ، هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب له كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه انقضاء"لوقا 1 - 34."

ولذلك تتعلل اليهود عن قبول نبوته بأن البشارة لاشتمالها على ملكه لا تنطبق على عيسى (عليه السلام) لأنه لم ينل الملك أيام دعوته وفي حيوته ، ولذلك أيضا ربما وجهته النصارى وتبعه بعض المفسرين من المسلمين بأن المراد بملكه الملك المعنوي دون الصوري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت