فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 4314

أقول: وليس من البعيد أن يقال: إن تسميته بالمسيح في البشارة بمعنى كونه مباركا فإن التدهين عندهم إنما كان للتبريك ، ويؤيده قوله تعالى:"قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت": مريم - 31.

وعيسى أصله يشوع ، فسروه بالمخلص وهو المنجي ، وفي بعض الأخبار تفسيره بيعيش وهو أنسب من جهة تسمية ابن زكريا بيحيى على ما مر من المشابهة التامة بين هذين النبيين.

وتقييد عيسى بابن مريم مع كون الخطاب في الآية لمريم للتنبيه على أنه مخلوق من غير أب ، ويكون معروفا بهذا النعت ، وأن مريم شريكته في هذه الآية كما قال تعالى:"و جعلناها وابنها آية للعالمين": الأنبياء - 91.

قوله تعالى: وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ، الوجاهة هي المقبولية ، وكونه (عليه السلام) مقبولا في الدنيا مما لا خفاء فيه ، وكذا في الآخرة بنص القرآن.

ومعنى المقربين ظاهر فهو مقرب عند الله داخل في صف الأولياء والمقربين من الملائكة من حيث التقريب كما ذكره تعالى بقوله:"لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون": النساء - 172 ، وقد عرف تعالى معنى التقريب بقوله:"إذا وقعت الواقعة - إلى أن قال - وكنتم أزواجا ثلثة - إلى أن قال: والسابقون السابقون أولئك المقربون": الواقعة - 11 ، والآية كما ترى تدل على أن هذا التقرب وهو تقرب إلى الله سبحانه حقيقته سبق الإنسان سائر أفراد نوعه في سلوك طريق العود إلى الله الذي سلوكه مكتوب على كل إنسان بل كل شيء ، قال تعالى:"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه": الانشقاق - 6 ، وقال تعالى: ألا إلى الله تصير الأمور": الشورى - 53."

وأنت إذا تأملت كون المقربين صفة الأفراد من الإنسان وصفة الأفراد من الملائكة علمت أنه لا يلزم أن يكون مقاما اكتسابيا فإن الملائكة لا يحرزون ما أحرزوه من المقام عند الله سبحانه بالكسب فلعله مقام تناله المقربون من الملائكة بهبة إلهية والمقربون من الإنسان بالعمل.

وقوله وجيها في الدنيا والآخرة ، حال ، وكذا ما عطف عليه من قوله: ومن المقربين ، ويكلم اه ، ومن الصالحين ، ويكلمه اه ، رسولا اه.

قوله تعالى: ويكلم الناس في المهد وكهلا ، المهد ما يهيأ للصبي من الفراش ، والكهل من الكهولة وهو ما بين الشباب والشيخوخة ، وهو ما يكون الإنسان فيه رجلا تاما قويا ، ولذا قيل: الكهل من وخطه الشيب أي خالطه ، وربما قيل: إن الكهل من بلغ أربعا وثلاثين.

وكيف كان ففيه دلالة على أنه سيعيش حتى يبلغ سن الكهولة ففيه بشارة أخرى لمريم.

وفي التصريح بذلك مع دلالة الأناجيل على أنه لم يعش في الأرض أكثر من ثلاث وثلاثين سنة نظر ينبغي أن يمعن فيه ولذا ربما قيل: إن تكليمه للناس كهلا إنما هو بعد نزوله من السماء فإنه لم يمكث في الأرض ما يبلغ به سن الكهولة ، وربما قيل: إن الذي يعطيه التاريخ بعد التثبت أن عيسى (عليه السلام) عاش نحوا من أربع وستين سنة خلافا لما يظهر من الأناجيل.

والذي يظهر من سياق قوله: في المهد وكهلا ، أنه لا يبلغ سن الشيخوخة ، وإنما ينتهي إلى سن الكهولة ، وعلى هذا فقد أخذ في البيان كلامه في طرفي عمره: الصبا والكهولة.

والمعهود من وضع الصبي في المهد أن يوضع فيه أوائل عمره ما دام في القماط قبل أن يدرج ويمشي وهو في السنة الثانية فما دونها غالبا ، وهو سن الكلام فكلام الصبي في المهد وإن لم يكن في نفسه من خوارق العادة لكن ظاهر الآية أنه يكلم الناس في المهد كلاما تاما يعتني به العقلاء من الناس كما يعتنون بكلام الكهل ، وبعبارة أخرى يكلمهم في المهد كما يكلمهم كهلا ، والكلام من الصبي بهذه الصفة آية خارقة.

على أن القصة في سورة مريم تبين أن تكليمه الناس إنما كان لأول ساعة أتت به مريم إلى الناس بعد وضعه وكلام الصبي لأول يوم ولادته آية خارقة لا محالة ، قال تعالى:"فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت الآيات": مريم - 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت