فهرس الكتاب

الصفحة 625 من 4314

قوله تعالى: قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ، خطابها لربها مع كون المكلم إياها الروح المتمثل بناء على ما تقدم أن خطاب الملائكة وخطاب الروح وكلامهم كلام الله سبحانه فقد كانت تعلم أن الذي يكلمها هو الله سبحانه وإن كان الخطاب متوجها إليها من جهة الروح المتمثل أو الملائكة ولذلك خاطبت ربها ويمكن أن يكون الكلام من قبيل قوله تعالى:"قال رب ارجعون": المؤمنون - 99 ، فهو من الاستغاثة المعترضة في الكلام.

قوله سبحانه: قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون قد مرت الإشارة إلى أن تطبيق هذا الجواب بما في سورة مريم من قوله:"قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا": مريم - 21 ، يفيد أن يكون قوله هاهنا: كذلك كلاما تاما تقديره: الأمر كذلك ومعناه أن الذي بشرت به أمر مقضي لا مرد له.

وأما التعجب من هذا الأمر فإنما يصح لو كان هذا الأمر مما لا يقدر عليه الله سبحانه أو يشق أما القدرة فإن قدرته غير محدودة يفعل ما يشاء وأما صعوبته ومشقته فإن العسر والصعوبة إنما يتصور إذا كان الأمر مما يتوسل إليه بالأسباب فكلما كثرت المقدمات والأسباب وعزت وبعد منالها اشتد الأمر صعوبة ، والله سبحانه لا يخلق ما يخلق بالأسباب بل إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.

فقد ظهر أن قوله كذلك كلام تام أريد به رفع اضطراب مريم وتردد نفسها ، وقوله: الله يخلق ما يشاء ، رفع العجز الذي يوهمه التعجب ، وقوله: إذا قضى ، رفع لتوهم العسر والصعوبة.

قوله تعالى: ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل اللام في الكتاب والحكمة للجنس.

وقد مر أن الكتاب هو الوحي الرافع لاختلافات الناس ، والحكمة هي المعرفة النافعة المتعلقة بالاعتقاد أو العمل ، وعلى هذا فعطف التوراة والإنجيل على الكتاب والحكمة مع كونهما كتابين مشتملين على الحكمة من قبيل ذكر الفرد بعد الجنس لأهمية في اختصاصه بالذكر ، وليست لام الكتاب للاستغراق لقوله تعالى:"و لما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون": الزخرف - 63 ، وقد مر بيانه.

وأما التوراة فالذي يريده القرآن منها هو الذي نزله الله على موسى (عليه السلام) في الميقات في ألواح على ما يقصه الله سبحانه في سورة الأعراف ، وأما الذي عند اليهود من الأسفار فهم معترفون بانقطاع اتصال السند ما بين بخت نصر من ملوك بابل وكورش من ملوك الفرس ، غير أن القرآن يصدق أن التوراة الموجود بأيديهم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير مخالفة للتوراة الأصل بالكلية وإن لعبت بها يد التحريف ، ودلالة آيات القرآن على ذلك واضحة.

وأما الإنجيل ومعناه البشارة فالقرآن يدل على أنه كان كتابا واحدا نازلا على عيسى فهو الوحي المختص به ، قال تعالى"و أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس": آل عمران - 4 ، وأما هذه الأناجيل المنسوبة إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا فهي كتب مؤلفة بعده (عليه السلام) .

ويدل أيضا على أن الأحكام إنما هي في التوراة ، وأن الإنجيل لا تشتمل إلا على بعض النواسخ كقوله في هذه الآيات: مصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم الآية ، وقوله:"و آتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه": المائدة - 47 ، ولا يبعد أن يستفاد من الآية أن فيه بعض الأحكام الإثباتية.

ويدل أيضا على أن الإنجيل مشتمل على البشارة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كالتوراة قال ، تعالى:"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل": الأعراف - 157.

قوله تعالى: ورسولا إلى بني إسرائيل ، ظاهره أنه (عليه السلام) كان مبعوثا إلى بني إسرائيل خاصة كما هو اللائح من الآيات في حق موسى (عليه السلام) ، وقد مر في الكلام على النبوة في ذيل قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين"الآية: البقرة - 213 ، أن عيسى (عليه السلام) كموسى من أولي العزم وهم مبعوثون إلى أهل الدنيا كافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت