فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 4314

لكن العقدة تنحل بما ذكرناه هناك في الفرق بين الرسول والنبي أن النبوة هي منصب البعث والتبليغ ، والرسالة هي السفارة الخاصة التي تستتبع الحكم والقضاء بالحق بين الناس ، إما بالبقاء والنعمة ، أو بالهلاك كما يفيده قوله تعالى:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط": يونس - 47.

وبعبارة أخرى النبي هو الإنسان المبعوث لبيان الدين للناس ، والرسول هو المبعوث لأداء بيان خاص يستتبع رده الهلاك وقبوله البقاء والسعادة كما يؤيده بل يدل عليه ما حكاه الله سبحانه من مخاطبات الرسل لأممهم كنوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم (عليهم السلام) .

وإذا كان كذلك لم يستلزم الرسالة إلى قوم خاص البعثة إليهم ، وكان من الممكن أن يكون الرسول إلى قوم خاص نبيا مبعوثا إليهم وإلى غيرهم كموسى وعيسى (عليهما السلام) .

وعلى ذلك شواهد من القرآن الكريم كرسالة موسى إلى فرعون ، قال تعالى:"اذهب إلى فرعون إنه طغى": طه - 24 ، وإيمان السحرة لموسى وظهور قبول إيمانهم ولم يكونوا من بني إسرائيل ، قال تعالى:"قالوا آمنا برب هارون وموسى": طه - 70 ، ودعوة قوم فرعون ، قال تعالى:"و لقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم": الدخان - 17 ، ونظير ذلك ما كان من أمر إيمان الناس بعيسى فلقد آمن به (عليه السلام) قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الروم وأمم عظيمة من الغربيين كالإفرنج والنمسا والبروس وإنجلترا وأمم من الشرقيين كنجران وهم جميعهم ليسوا من بني إسرائيل ، والقرآن لم يخص - فيما يذكر فيه النصارى - نصارى بني إسرائيل خاصة بالذكر بل يعمم مدحه أو ذمه الجميع.

قوله تعالى: أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين - إلى قوله -: وأحيي الموتى بإذن الله ، الخلق جمع أجزاء الشيء ، وفيه نسبة الخلق إلى غيره تعالى كما يشعر به أيضا قوله تعالى:"فتبارك الله أحسن الخالقين": المؤمنون - 14.

والأكمه هو الذي يولد مطموس العين ، وقد يقال لمن تذهب عينه قال: كمهت عيناه حتى ابيضتا ، قاله الراغب ، والأبرص من كان به برص وهو مرض جلدي معروف.

وفي قوله: وأحيي الموتى حيث علق الإحياء بالموتى وهو جمع دلالة ولا أقل من الإشعار بالكثرة والتعدد.

وكذا قوله: بإذن الله ، سيق للدلالة على أن صدور هذه الآيات المعجزة منه (عليه السلام) مستند إلى الله تعالى من غير أن يستقل عيسى (عليه السلام) بشيء من ذلك ، وإنما كرر تكرارا يشعر بالإصرار لما كان من المترقب أن يضل فيه الناس فيعتقدوا بألوهيته استدلالا بالآيات المعجزة الصادرة عنه (عليه السلام) ، ولذا كان يقيد كل آية يخبر بها عن نفسه مما يمكن أن يضلوا به كالخلق وإحياء الموتى بإذن الله ثم ختم الكلام بقوله: إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم.

وظاهر قوله: أني أخلق لكم"الخ"أن هذه الآيات كانت تصدر عنه صدورا خارجيا لا أن الكلام مسوق لمجرد الاحتجاج والتحدي ، ولو كان مجرد قول لقطع العذر وإتمام الحجة لكان من حق الكلام أن يقيد بقيد يفيد ذلك كقولنا: إن سألتم أو أردتم أو نحو ذلك.

على أن ما يحكيه الله سبحانه من مشافهته لعيسى يوم القيامة يدل على وقوع هذه الآيات أتم الدلالة ، قال:"إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك - إلى أن قال -: وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى"الآية: المائدة - 110.

ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن قصارى ما تدل عليه الآية أن الله سبحانه جعل في عيسى بن مريم هذا السر ، وأنه احتج على الناس بذلك ، وأتم الحجة عليهم بحيث لو سألوه شيئا من ذلك لأتى به ، أما أن كلها أو بعضها وقع فلا دلالة فيها على ذلك.

قوله تعالى: وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ، وهذا إخبار بالغيب المختص بالله تعالى ، ومن خصه من رسله بالوحي ، وهو آية أخرى وإخبار بغيب صريح التحقق لا يتطرق إليه الشك والريب فإن الإنسان لا يشك عادة فيما أكله ولا فيما ادخره في بيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت