فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و إنما لم يقيد هذه الآية بإذن الله مع أن الآية لا تتحقق إلا بإذن منه تعالى كما قال:"و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله": المؤمن - 78 ، لأن هذه الآية عبر عنها بالإنباء وهو كلام قائم بعيسى (عليه السلام) يعد فعلا له فلا يليق أن يسند إلى ساحة القدس بخلاف الآيتين السابقتين أعني الخلق والإحياء فإنها فعل الله بالحقيقة ولا ينسبان إلى غيره إلا بإذنه.
على أن الآيتين المذكورتين ليستا كالإنباء فإن الضلال إلى الناس فيهما أسرع منه في الإنباء فإن القلوب الساذجة تقبل ألوهية خالق الطير ومحيي الموتى بأدنى وسوسة ومغلطة بخلاف ألوهية من يخبر بالمغيبات فإنها لا تذعن باختصاص الغيب بالله سبحانه بل تعتقده أمرا مبتذلا جائز النيل لكل مرتاض أو كاهن مشعبذ فكان من الواجب عند مخاطبتهم أن يقيد الآيتين المذكورتين بالإذن دون الأخيرة ، وكذا الإبراء فيكفي فيها مجرد ذكر أنها آية من الله ، وخاصة إذا ألقي الخطاب إلى قوم يدعون أنهم مؤمنون ، ولذلك ذيل الكلام بقوله: إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين أي إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان.
قوله تعالى: ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ، عطف على قوله: ورسولا إلى بني إسرائيل ، وكون المعطوف مبنيا على التكلم مع كون المعطوف عليه مبنيا على الغيبة أعني كون عيسى (عليه السلام) في قوله: ومصدقا لما بين يدي ، متكلما وفي قوله: ورسولا إلى بني إسرائيل ، غائبا ليس مما يضر بالعطف بعد تفسير قوله: ورسولا إلى بني إسرائيل ، بقول عيسى: أني قد جئتكم ، فإن وجه الكلام يتبدل بذلك من الغيبة إلى الحضور فيستقيم به العطف.
وتصديقه للتوراة التي بين يديه إنما هو تصديق لما علمه الله من التوراة على ما تفيده الآية السابقة ، وهو التوراة الأصل النازلة على موسى (عليه السلام) فلا دلالة لكونه مصدقا للتوراة التي في زمانه على كونها غير محرفة كما لا دلالة لتصديق نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) للتوراة التي بين يديه على كونها غير محرفة.
قوله تعالى: ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ، فإن الله تعالى كان حرم عليهم بعض الطيبات ، قال تعالى:"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم"الآية: النساء - 160.
والكلام لا يخلو عن دلالة على إمضائه (عليه السلام) لأحكام التوراة إلا ما نسخه الله تعالى بيده من الأحكام الشاقة المكتوبة على اليهود ، ولذا قيل: إن الإنجيل غير مشتمل على الشريعة ، وقوله: ولأحل ، معطوف على قوله: بآية من ربكم ، واللام للغاية ، والمعنى: قد جئتكم لأنسخ بعض الأحكام المحرمة المكتوبة عليكم.
قوله تعالى: وجئتكم بآية من ربكم ، الظاهر أنه لبيان أن قوله: فاتقوا الله وأطيعون ، متفرع على إتيان الآية لا على إحلال المحرمات فهو لدفع الوهم ، ويمكن أن يكون هو مراد من قال: إن إعادة الجملة للتفرقة بين ما قبلها وما بعدها فإن مجرد التفرقة ليست من المزايا في الكلام.
قوله تعالى: إن الله ربي وربكم فاعبدوه ، فيه قطع لعذر من اعتقد ألوهيته لتفرسه (عليه السلام) ذلك منهم أو لعلمه بذلك بالوحي كما ذكرنا نظير ذلك في تقييد قوله: فيكون طيرا ، وقوله وأحيي الموتى ، بقوله: بإذن الله لكن الظاهر من قوله تعالى فيما يحكي قول عيسى (عليه السلام) :"ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم": المائدة - 117 ، إن ذلك كان بأمر من ربه ووحي منه.
قوله تعالى: فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله ، لما كانت البشارة التي بشر بها مريم مشتملة على جمل قصص عيسى (عليه السلام) من حين حمله إلى حين رسالته ودعوته اقتصر عليها اقتصاصا إيجازا في الكلام وفرع عليها تتمة الجملة من قصته وهو انتخابه حوارييه ومكر قومه به ومكر الله بهم في تطهيره منهم وتوفيه ورفعه إليه ، وهو تمام القصة.
وقد اعتبر في القصة المقدار الذي يهم إلقاؤه إلى النصارى حين نزول الآيات ، وهم نصارى نجران: الوفد الذين أتوا المدينة للبحث والاحتجاج ، ولذلك أسقط منها بعض الخصوصيات التي تشتمل عليه قصصه المذكورة في سائر السور القرآنية كسورة النساء والمائدة والأنبياء والزخرف والصف.