فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و في استعمال لفظ الإحساس في مورد الكفر مع كونه أمرا قلبيا إشعار بظهوره منهم حتى تعلق به الإحساس أو أنهم هموا بإيذائه وقتله بسبب كفرهم فأحس به فقوله: فلما أحس عيسى أي استشعر واستظهر منهم أي من بني إسرائيل المذكور اسمهم في البشارة الكفر قال من أنصاري إلى الله؟ وإنما أراد بهذا الاستفهام أن يتميز عدة من رجال قومه فيتمحضوا للحق فتستقر فيهم عدة الدين ، وتتمركز فيهم قوته ثم تنتشر من عندهم دعوته ، وهذا شأن كل قوة من القوى الطبيعية والاجتماعية وغيرها ، أنها إذا شرعت في الفعل ونشر التأثير وبث العمل كان من اللازم أن تتخذ لنفسها كانونا تجتمع فيه وتعتمد عليه وتستمد منه ولو لا ذلك لم تستقر على عمل ، وذهبت سدى لا تجدي نفعا.
ونظير ذلك في دعوة الإسلام بيعة العقبة وبيعة الشجرة أراد بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ركوز القدرة وتجمع القوة ليستقيم به أمر الدعوة.
فلما أيقن عيسى (عليه السلام) أن دعوته غير ناجحة في بني إسرائيل كلهم أو جلهم ، وأنهم كافرون به لا محالة ، وأنهم لو أخمدوا أنفاسه بطلت الدعوة واشتدت المحنة مهد لبقاء دعوته هذا التمهيد فاستنصر منهم للسلوك إلى الله سبحانه فأجابه الحواريون على ذلك فتميزوا من سائر القوم بالإيمان فكان ذلك أساسا لتميز الإيمان من الكفر وظهوره عليه بنشر الدعوة وإقامة الحجة كما قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين": الصف - 14.
وقد قيد الأنصار في قوله: من أنصاري بقوله: إلى الله ليتم به معنى التشويق والتحريص الذي سيق لأجله هذا الاستفهام نظير قوله تعالى:"من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا": البقرة - 245.
والظرف متعلق بقوله: أنصاري ، بتضمين النصرة معنى السلوك والذهاب أو ما يشابههما كما حكى عن إبراهيم (عليه السلام) من قوله:"إني ذاهب إلى ربي سيهدين": الصافات - 99.
وأما ما احتمله بعض المفسرين من كون إلى بمعنى مع فلا دليل عليه ولا يساعد أدب القرآن أن يجعله تعالى في عداد غيره فيعد غير الله ناصرا كما يعده ناصرا ، ولا يساعد عليه أدب عيسى (عليه السلام) اللائح مما يحكيه القرآن من قوله ، على أن قوله تعالى: قال الحواريون نحن أنصار الله ، أيضا لا يساعد عليه إذ كان من اللازم على ذلك أن يقولوا: نحن أنصارك مع الله فليتأمل.
قوله تعالى: قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ، حواري الإنسان من اختص به من الناس ، وقيل أصله من الحور وهو شدة البياض ، ولم يستعمل القرآن هذا اللفظ إلا في خواص عيسى (عليه السلام) من أصحابه.
وقولهم: آمنا بالله ، بمنزل التفسير لقولهم: نحن أنصار الله وهذا مما يؤيد كون قوله: أنصاري إلى الله جاريا مجرى التضمين كما مر فإنه يفيد معنى السلوك في الطريق إلى الله ، والإيمان طريق.
وهل هذا أول إيمانهم بعيسى (عليه السلام) ؟ ربما استفيد من قوله تعالى:"كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة": الصف - 14 ، أنه إيمان ، بعد إيمان ولا ضير فيه كما يظهر بالرجوع إلى ما أوضحناه من كون الإيمان والإسلام ذوي مراتب مختلفة بعضها فوق بعض.
بل ربما دل قوله تعالى:"و إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون": المائدة - 111 ، أن إجابتهم إنما كانت بوحي من الله تعالى إليهم ، وأنهم كانوا أنبياء فيكون الإيمان الذي أجابوه به هو الإيمان بعد الإيمان.