على أن قولهم: واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ، وهذا الإسلام هو التسليم المطلق لجميع ما يريده الله تعالى منهم وفيهم - يدل أيضا على ذلك فإن هذا الإسلام لا يتأتى إلا من خلص المؤمنين لا من كل من شهد بالتوحيد والنبوة مجرد شهادة ، بيان ذلك أنه قد مر في البحث عن مراتب الإيمان والإسلام: أن كل مرتبة من الإيمان تسبقها مرتبة من مراتب الإسلام كما يدل عليه قولهم: آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ، حيث أتوا في الإيمان بالفعل وفي الإسلام بالصفة فأول مراتب الإسلام هو التسليم والشهادة على أصل الدين إجمالا ، ويتلوه الإذعان القلبي بهذه الشهادة الصورية في الجملة ، ويتلوه وهو المرتبة الثانية من الإسلام التسليم القلبي لمعنى الإيمان وينقطع عنده السخط والاعتراض الباطني بالنسبة إلى جميع ما يأمر به الله ورسوله وهو الاتباع العملي في الدين ، ويتلوه وهو المرتبة الثانية من الإيمان خلوص العمل واستقرار وصف العبودية في جميع الأعمال والأفعال ، ويتلوه وهو المرتبة الثالثة من الإسلام التسليم لمحبة الله وإرادته تعالى فلا يحب ولا يريد شيئا إلا بالله ، ولا يقع هناك إلا ما أحبه الله وأراده ولا خبر عن محبة العبد وإرادته في نفسه ، ويتلوه وهو المرتبة الثالثة من الإيمان شيوع هذا التسليم العبودي في جميع الأعمال.
فإذا تذكرت هذا الذي ذكرناه ، وتأملت في قوله (عليه السلام) فيما نقل من دعوته: فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم الآية ، وجدت أنه (عليه السلام) أمر أولا بتقوى الله وإطاعة نفسه ثم علل ذلك بقوله: إن الله ربي وربكم ، أي إن الله ربكم معشر الأمة ورب رسوله الذي أرسله إليكم ، فيجب عليكم أن تتقوه بالإيمان ، وأن تطيعوني بالاتباع ، وبالجملة يجب عليكم أن تعبدوه بالتقوى وطاعة الرسول أي الإيمان والاتباع ، فهذا هو المستفاد من هذا الكلام ، ولذا بدل التقوى والإطاعة في التعليل من قوله: فاعبدوه وإنما فعل ذلك ليتضح ارتباط الأمر بالله لظهور الارتباط به في العبودية ثم ذكر أن هذه العبادة صراط مستقيم فجعله سبيلا ينتهي بسالكه إلى الله سبحانه.
ثم لما أحس منهم الكفر ولاحت أسباب اليأس من إيمان عامتهم قال من أنصاري إلى الله فطلب أنصارا لسلوك هذا الصراط المستقيم الذي كان يندب إليه ، وهو العبودية أعني التقوى والإطاعة فأجابه الحواريون بعين ما طلبه فقالوا: نحن أنصار الله ، ثم ذكروا ما هو كالتفسير له فقالوا: آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ، ومرادهم بالإسلام إطاعته وتبعيته ، ولذا لما خاطبوا ربهم خطاب تذلل والتجاء ، وذكروا له ما وعدوا به عيسى (عليه السلام) قالوا: ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ، فبدلوا الإسلام من الاتباع ، ووسعوا في الإيمان بتقييده بجميع ما أنزل الله.
فأفاد ذلك أنهم آمنوا بجميع ما أنزل الله مما علمه عيسى بن مريم من الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، واتبعوا الرسول في ذلك ، وهذا كما ترى ليس أول درجة من الإيمان بل من أعلى درجاته وأسماها.
وإنما استشهدوا عيسى (عليه السلام) في إسلامهم واتباعهم ولم يقولوا: آمنا بالله وإنا مسلمون أو ما يفيد معناه ليكونوا على حجة في عرضهم حالهم على ربهم إذ قالوا: ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ، فكأنهم قالوا: ربنا حالنا هذا الحال ، ويشهد بذلك رسولك.
قوله تعالى: ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ، مقول قول الحواريين حذف القول من اللفظ للدلالة على حكاية نفس الواقعة وهو من الأساليب اللطيفة في القرآن الكريم ، وقد مر بيانه ، وقد سألوا ربهم أن يكتبهم من الشاهدين ، وفرعوا ذلك على إيمانهم وإسلامهم جميعا لأن تبليغ الرسول رسالته إنما يتحقق ببيانه ما أنزله الله عليه قولا وفعلا ، أي بتعليمه معالم الدين وعمله بها ، فالشهادة على التبليغ إنما يكون بتعلمها من الرسول واتباعه عملا حتى يشاهد أنه عامل بما يدعو إليه لا يتخطاه ولا يتعداه.