فهرس الكتاب

الصفحة 630 من 4314

و الظاهر أن هذه الشهادة هي التي يومىء إليها قوله تعالى:"فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين": الأعراف - 6 ، وهي الشهادة على التبليغ ، وأما قوله تعالى:"و إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين": المائدة - 83 ، فهو شهادة على حقية رسالة الرسول دون التبليغ ، والله أعلم.

وربما أمكن أن يستفاد من قولهم: فاكتبنا مع الشاهدين بعد استشهادهم الرسول على إسلامهم أن المسئول: أن يكتبهم الله من شهداء الأعمال كما يلوح ذلك مما حكاه الله تعالى في دعاء إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) :"ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا": البقرة - 128 ، وليرجع إلى ما ذكرناه في ذيل الآية.

قوله تعالى: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ، الماكرون هم بنو إسرائيل ، بقرينة قوله: فلما أحس عيسى منهم الكفر ، وقد مر الكلام في معنى المكر المنسوب إليه تعالى في ذيل قوله:"و ما يضل به إلا الفاسقين": البقرة - 26.

قوله تعالى: إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ، التوفي أخذ الشيء أخذا تاما ، ولذا يستعمل في الموت لأن الله يأخذ عند الموت نفس الإنسان من بدنه قال تعالى:"توفته رسلنا": الأنعام - 61 ، أي أماتته ، وقال تعالى:"و قالوا أ إذا ضللنا في الأرض أ إنا لفي خلق جديد - إلى أن قال -: قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم": السجدة - 11 ، وقال تعالى:"الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى": الزمر - 42 ، والتأمل في الآيتين الأخيرتين يعطي أن التوفي لم يستعمل في القرآن بمعنى الموت بل بعناية الأخذ والحفظ ، وبعبارة أخرى إنما استعمل التوفي بما في حين الموت من الأخذ للدلالة على أن نفس الإنسان لا يبطل ولا يفنى بالموت الذي يظن الجاهل أنه فناء وبطلان بل الله تعالى يحفظها حتى يبعثها للرجوع إليه ، وإلا فهو سبحانه يعبر في الموارد التي لا تجري فيه هذه العناية بلفظ الموت دون التوفي كما في قوله تعالى:"و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم": آل عمران - 144 ، وقوله تعالى:"لا يقضى عليهم فيموتوا": الفاطر - 36 ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة جدا حتى ما ورد في عيسى (عليه السلام) بنفسه كقوله:"و السلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا": مريم - 33 ، وقوله:"و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا": النساء - 159 ، فمن هذه الجهة لا صراحة للتوفي في الموت.

على أن قوله تعالى في رد دعوى اليهود:"و قولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا": النساء - 159 ، يؤيد ذلك فإن اليهود كانت تدعي أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام) وكذلك كانت تظن النصارى أن اليهود قتلت عيسى بن مريم (عليهما السلام) بالصلب غير أنهم كانوا يزعمون أن الله سبحانه رفعه بعد قتله من قبره إلى السماء على ما في الأناجيل ، والآيات كما ترى تكذب قصة القتل والصلب صريحا.

والذي يعطيه ظاهر قوله: وإن من أهل الكتاب الآية أنه حي عند الله ولن يموت حتى يؤمن به أهل الكتاب ، على هذا فيكون توفيه (عليه السلام) أخذه من بين اليهود لكن الآية مع ذلك غير صريحة فيه وإنما هو الظهور ، وسيجيء تمام الكلام في ذلك في آخر سورة النساء.

قوله تعالى: ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ، الرفع خلاف الوضع ، والطهارة خلاف القذارة ، وقد مر الكلام في معنى الطهارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت