و حيث قيد الرفع بقوله: إلى ، أفاد ذلك أن المراد بالرفع الرفع المعنوي دون الرفع الصوري إذ لا مكان له تعالى من سنخ الأمكنة الجسمانية التي تتعاورها الأجسام والجسمانيات بالحلول فيها ، والقرب والبعد منها ، فهو من قبيل قوله تعالى في ذيل الآية: ثم إلي مرجعكم ، وخاصة لو كان المراد بالتوفي هو القبض لظهور أن المراد حينئذ هو رفع الدرجة والقرب من الله سبحانه ، نظير ما ذكره تعالى في حق المقتولين في سبيله:"أحياء عند ربهم": آل عمران - 169 ، وما ذكره في حق إدريس (عليه السلام) :"و رفعناه مكانا عليا": مريم - 57.
وربما يقال: إن المراد برفعه إليه رفعه بروحه وجسده حيا إلى السماء على ما يشعر به ظاهر القرآن الشريف أن السماء أي الجسمانية هي مقام القرب من الله سبحانه ، ومحل نزول البركات ، ومسكن الملائكة المكرمين ، ولعلنا نوفق للبحث عن معنى السماء فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والتطهير من الكافرين حيث أتبع به الرفع إلى الله سبحانه أفاد معنى التطهير المعنوي دون الظاهري الصوري فهو إبعاده من الكفار وصونه عن مخالطتهم والوقوع في مجتمعهم المتقذر بقذارة الكفر والجحود.
قوله تعالى: وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ، وعد منه تعالى له (عليه السلام) أنه سيفوق متبعي عيسى (عليه السلام) على مخالفيه الكافرين بنبوته ، وأن تفوقهم هذا سيدوم إلى يوم القيامة وإنما ذكر تعالى في تعريف هؤلاء الفائقين على غيرهم أن الفائقين هم الذين اتبعوه وأن غيرهم هم الذين كفروا من غير أن يقول هم بنو إسرائيل أو اليهود المنتحلون بشريعة موسى (عليه السلام) أو غير ذلك.
غير أنه تعالى لما أخذ الكفر في تعريف مخالفيه ظهر منه أن المراد باتباعه هو الاتباع على الحق أعني الاتباع المرضي لله سبحانه فيكون الذين اتبعوه هم أتباعه المستقيمون من النصارى قبل ظهور الإسلام ونسخه دين عيسى ، والمسلمون بعد ظهور الإسلام فإنهم هم أتباعه على الحق ، وعلى هذا فالمراد بالتفوق هو التفوق بحسب الحجة دون السلطنة والسيطرة ، فمحصل معنى الجملة: أن متبعيك من النصارى والمسلمين ستفوق حجتهم على حجة الكافرين بك من اليهود إلى يوم القيامة ، هذا ما ذكره وارتضاه المفسرون في معنى الآية.
والذي أراه أن الآية لا تساعد عليه لا بلفظها ولا بمعناها فإن ظاهر قوله إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك ، أنه إخبار عن المستقبل وأنه سيتحقق فيما يستقبل حال التكلم توف ورفع وتطهير وجعل على أن قوله: وجاعل الذين اتبعوك ، وعد حسن وبشرى ، وما هذا شأنه لا يكون إلا في ما سيأتي ، ومن المعلوم أن ليست حجة متبعي عيسى (عليه السلام) إلا حجة عيسى نفسه ، وهي التي ذكرها الله تعالى في ضمن آيات البشارة أعني بشارة مريم ، وهذه الحجج حجج فائقة حين حضور عيسى قبل الرفع ، وبعد رفع عيسى بل كانت قبل رفعه (عليه السلام) أقطع لعذر الكفار ومنبت خصومتهم ، وأوضح في رفع شبههم ، فما معنى وعده (عليه السلام) أنه ستفوق حجة متبعيه على حجة مخالفيه ثم ما معنى تقييد هذه الغلبة والتفوق بقوله: إلى يوم القيامة ، مع أن الحجة في غلبتها لا تقبل التقييد بوقت ولا يوم على أن تفوق الحجة على الحجة باق على حاله يوم القيامة على ما يخبر به القرآن في ضمن أخبار القيامة.
فإن قلت: لعل المراد من تفوق الحجة تفوقها من جهة المقبولية بأن يكون الناس أسمع لحجة المتبعين وأطوع لها فيكونوا بذلك أكثر جمعا وأوثق ركنا وأشد قوة.