قلت: مرجع ذلك إما إلى تفوق متبعيه الحقيقيين من حيث السلطنة والقوة والواقع خلافه ، واحتمال أن يكون إخبارا عن ظهور للمتبعين وتفوق منهم سيتحقق في آخر الزمان لا يساعد عليه لفظ الآية ، وإما إلى كثرة العدد بأن يراد أن متبعيه (عليه السلام) سيفوقون الكافرين أي يكون أهل الحق بعد عيسى أكثر جمعا من أهل الباطل ، ففيه مضافا إلى أن الواقع لا يساعد عليه فلم يزل أهل الباطل يربو ويزيد جمعهم على أهل الحق من زمن عيسى إلى يومنا هذا وقد بلغ الفصل عشرين قرنا أن لفظ الآية لا يساعد عليه فإن الفوقية في الآية وخاصة من جهة كون المقام مقام الإنباء عن نزول السخط الإلهي على اليهود وشمول الغضب عليهم إنما يناسب القهر والاستعلاء إما من حيث الحجة البالغة أو من حيث السلطة والقوة وأما من حيث كثرة العدد فلا يناسب المقام كما هو ظاهر.
والذي ينبغي أن يقال أن الذي أخذ في الآية معرفا للفرقتين هو قوله: الذين اتبعوك ، وقوله الذين كفروا ، والفعل إنما يدل على التحقق والحدوث دون التلبس الذي يدل عليه الوصف كالمتبعين والكافرين ، ومجرد صدور فعل من بعض أفراد أمة مع رضاء الباقين به وسلوك اللاحقين مسلك السابقين وجريهم على طريقتهم كاف في نسبة ذلك الفعل إليهم ، كما أن القرآن يؤنب اليهود ويوبخهم على كثير من أفعال سلفهم كقتل الأنبياء وإيذائهم والاستكبار عن امتثال أوامر الله سبحانه ورسله وتحريف آيات الكتاب ، وغير ذلك.
وعلى هذا صح أن يراد بالذين كفروا اليهود ، وبالذين اتبعوا النصارى لما صدر من صدرهم وسلفهم من الإيمان بعيسى (عليه السلام) واتباعه - وقد كان إيمانا مرضيا واتباعا حقا - وإن كان الله سبحانه لم يرتض اتباعهم له (عليه السلام) بعد ظهور الإسلام ، ولا اتباع أهل التثليث منهم قبل ظهور الدعوة الإسلامية.
فالمراد جعل النصارى - وهم الذين اتبع أسلافهم عيسى (عليه السلام) - فوق اليهود وهم الذين كفروا بعيسى (عليه السلام) ومكروا به ، والغرض في المقام بيان نزول السخط الإلهي على اليهود ، وحلول المكر بهم ، وتشديد العذاب على أمتهم ، ولا ينافي ما ذكرناه كون المراد بالاتباع هو الاتباع على الحق كما استظهرناه في أول الكلام كما لا يخفى.
ويؤيد هذا المعنى تغيير الأسلوب في الآية الآتية أعني قوله: وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، إذ لو كان المراد بالذين اتبعوا هم أهل الحق والنجاة من النصارى والمسلمين فقط كان الأنسب أن يقال: وأما الذين اتبعوك فيوفيهم أجورهم من غير تغيير للسياق كما لا يخفى.
وهاهنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالذين اتبعوا هم النصارى والمسلمون قاطبة وتكون الآية مخبرة عن كون اليهود تحت إذلال من يذعن لزوم اتباع عيسى إلى يوم القيامة ، والتقريب عين التقريب ، وهذا أحسن الوجوه في توجيه الآية عند التدبر.
قوله تعالى: ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ، وقد جمع سبحانه في هذا الخطاب بين عيسى وبين الذين اتبعوه والذين كفروا به وهذا مآل أمرهم يوم القيامة ، وبذلك يختتم أمر عيسى وخبره من حين البشارة به إلى آخر أمره ونبإه.
قوله تعالى: فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ، ظاهره أنه متفرع على قوله: فأحكم بينكم ، تفرع التفصيل على الإجمال فيكون بيانا للحكم الإلهي في يوم القيامة بالعذاب لليهود الذين كفروا وتوفيه الأجر للمؤمنين.
لكن اشتمال التفريع على قوله: في الدنيا ، يدل على كونه متفرعا على مجموع قوله: وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ثم إلي مرجعكم"الخ"فيدل على أن نتيجة هذا الجعل والرجوع تشديد العذاب عليهم في الدنيا بيد الذين فوقهم الله تعالى عليهم ، وفي الآخرة بالنار ، وما لهم في ذلك من ناصرين.
وهذا أحد الشواهد على أن المراد بالتفويق في الآية السابقة هو التسليط بالسيطرة والقوة دون التأييد بالحجة.
وفي قوله: وما لهم من ناصرين دلالة على نفي الشفاعة المانعة عن حلول العذاب بساحتهم ، وهو حتم القضاء كما تقدم.