فهرس الكتاب

الصفحة 633 من 4314

قوله تعالى: وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ، وهذا وعد حسن بالجزاء الخير للذين اتبعوا إلا أن مجرد صدق الاتباع لما لم يستلزم استحقاق جزيل الثواب لأن الاتباع كما عرفت وصف صادق على الأمة بمجرد تحققه وصدوره عن عدة من أفرادها وحينئذ إنما يؤثر الأثر الجميل والثواب الجزيل بالنسبة إلى من تلبس به شخصا دون من انتسب إليه اسما فلذلك بدل الذين اتبعوك من مثل قوله: الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ليستقيم المعنى فإن السعادة والعاقبة الحسنى تدور مدار الحقيقة دون الاسم كما يدل عليه قوله تعالى:"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون:"البقرة - 62.

فهذا أجر الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الذين اتبعوا عيسى (عليه السلام) أن الله يوفيهم أجورهم ، وأما غيرهم فليس لهم من ذلك شيء ، وقد أشير إلى ذلك في الآية بقوله: والله لا يحب الظالمين.

ومن هنا يظهر السر في ختم الآية - وهي آية الرحمة والجنة - بمثل قوله: والله لا يحب الظالمين مع أن المعهود في آيات الرحمة والنعمة أن تختتم بأسماء الرحمة والمغفرة أو بمدح حال من نزلت في حقه الآية نظير قوله تعالى:"و كلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير": الحديد - 10 ، وقوله تعالى:"إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم": التغابن - 17 ، وقوله تعالى:"و من يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم": التغابن - 9 ، وقوله تعالى:"فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين": الجاثية - 30 ، إلى غير ذلك من الآيات.

فقوله: والله لا يحب الظالمين مسوق لبيان حال الطائفة الأخرى ممن انتسب إلى عيسى (عليه السلام) بالاتباع وهم غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

قوله تعالى: ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إشارة إلى اختتام القصة.

والمراد بالذكر الحكيم القرآن الذي هو ذكر لله محكم من حيث آياته وبياناته ، لا يدخله باطل ، ولا يلج فيه هزل.

قوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ، تلخيص لموضع الحاجة مما ذكره من قصة عيسى في تولده تفصيلا ، والإيجاز بعد الإطناب - وخاصة في مورد الاحتجاج والاستدلال - من مزايا الكلام ، والآيات نازلة في الاحتجاج ومتعرضة لشأن وفد النصارى نصارى نجران فكان من الأنسب أن يوجز البيان في خلقته بعد الإطناب في قصته ليدل على أن كيفية ولادته لا تدل على أزيد من كونه بشرا مخلوقا نظير آدم (عليه السلام) فليس من الجائز أن يقال فيه أزيد وأعظم مما قيل في آدم ، وهو أنه بشر خلقه الله من غير أب.

فمعنى الآية: إن مثل عيسى عند الله أي وصفه الحاصل عنده تعالى أي ما يعلمه الله تعالى من كيفية خلق عيسى الجاري بيده أن كيفية خلقه يضاهي كيفية خلق آدم ، وكيفية خلقه أنه جمع أجزاءه من تراب ثم قال له كن فتكون تكونا بشريا من غير أب.

فالبيان بحسب الحقيقة منحل إلى حجتين تفي كل واحدة منهما على وحدتها بنفي الألوهية عن المسيح (عليه السلام) .

إحداهما: أن عيسى مخلوق لله - على ما يعلمه الله ولا يضل في علمه - خلقة بشر وإن فقد الأب ومن كان كذلك كان عبدا لا ربا.

وثانيهما: أن خلقته لا تزيد على خلقة آدم فلو اقتضى سنخ خلقه أن يقال بألوهيته بوجه لاقتضى خلق آدم ذلك مع أنهم لا يقولون بها فيه فوجب أن لا يقولوا بها في عيسى (عليه السلام) أيضا لمكان المماثلة.

ويظهر من الآية أن خلقة عيسى كخلقة آدم خلقة طبيعية كونية وإن كانت خارقة للسنة الجارية في النسل وهي حاجة الولد في تكونه إلى والد.

والظاهر أن قوله: فيكون ، أريد به حكاية الحال الماضية ، ولا ينافي ذلك دلالة قوله: ثم قال له كن على انتفاء التدريج فإن النسبة مختلفة فهذه الموجودات بأجمعها أعم من التدريجي الوجود وغيره مخلوقة لله سبحانه موجودة بأمره الذي هو كلمة كن كما قال تعالى:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس - 82 ، وكثير منها تدريجية الوجود إذا قيست حالها إلى أسبابها التدريجية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت