فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 4314

و كان عليه أن يضيف إلى ذلك لزوم استعمال الأبناء وهو جمع في التثنية وهو أشنع من استعمال الجمع في المفرد فإن استعمال الجمع في المفرد ربما وجد في كلام المولدين وإن لم يوجد في العربية الأصيلة إلا في التكلم لغرض التعظيم لكن استعمال الجمع في المثنى مما لا مجوز له أصلا.

فهذا هو الذي دعاه إلى طرح الروايات ورماها بالوضع ، وليس الأمر كما توهمه.

توضيح ذلك أن الكلام البليغ إنما يتبع فيه ما يقتضيه المقام من كشف ما يهم كشفه فربما كان المقام مقام التخاطب بين متخاطبين أو قبيلين ينكر أو يجهل كل منهما حال صاحبه فيوضع الكلام على ما يقتضيه الطبع والعادة فيؤتى في التعبير بما يناسب ذلك فأحد القبيلين المتخاصمين إذا أراد أن يخبر صاحبه أن الخصومة والدفاع قائمة بجميع أشخاص قبيله من ذكور وإناث وصغير وكبير فإنما يقول: نخاصمكم أو نقاتلكم بالرجال والظعائن والأولاد فيضع الكلام على ما تقتضيه الطبع والعادة فإن العادة تقتضي أن يكون للقبيل من الناس نساء وأولاد والغرض متعلق بأن يبين للخصم أنهم يد واحدة على من يخاصمهم ويخاصمونه ، ولو قيل: نخاصمكم أو نقاتلكم بالرجال والنساء وابنين لنا كان إخبارا بأمر زائد على مقتضى المقام محتاجا إلى عناية زائدة وتعرفا إلى الخصم لنكتة زائدة.

وأما عند المتعارفين والأصدقاء والأخلة فربما يوضع الكلام على مقتضى الطبع والعادة فيقال في الدعوة للضيافة والاحتفال: سنقرئكم بأنفسنا ونسائنا وأطفالنا ، وربما يسترسل في التعرف فيقال: سنخدمكم بالرجال والبنت والسبطين الصبيين ، ونحو ذلك.

فللطبع والعادة وظاهر الحال حكم ، ولواقع الأمر وخارج العين حكم ، وربما يختلفان ، فمن بنى كلامه على حكاية ما يعلم من ظاهر حاله ، ويقضي به الطبع والعادة فيه ثم بدا حقيقة حاله وواقع أمره على خلاف ما حكاه من ظاهر حاله لم يكن غالطا في كلامه ، ولا كاذبا في خبره ، ولا لاغيا هازلا في قوله.

والآية جارية على هذا المجرى فقوله: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم"الخ"أريد به على ما تقدم: ادعهم إلى أن تحضر أنت وخاصتك من أهلك الذين يشاركونك في الدعوى والعلم ، ويحضروا بخاصتهم من أهليهم ، ثم وضع الكلام على ما يعطيه ظاهر الحال أن لرسول الله في أهله رجالا ونساء وأبناء ولهم في أهليهم رجال ونساء وأبناء فهذا مقتضى ظاهر الحال ، وحكم الطبع والعادة فيه وفيهم ، أما واقع الأمر وحقيقته فهو أنه لم يكن له (صلى الله عليه وآله وسلم) من الرجال والنساء والبنين إلا نفس وبنت وابنان ، ولم يكن لهم إلا رجال من غير نساء ولا أبناء ، ولذلك لما أتاهم برجل وامرأة وولدين لم يجبهوه بالتلحين والتكذيب ، ولا أنهم اعتذروا عن الحضور بأنك أمرت بإحضار النساء والأبناء وليس عندنا نساء ولا أبناء ، ولا أن من قصت عليه القصة رماها بالوضع والتمويه.

ومن هنا يظهر فساد ما أورده بقوله ثم وفد نجران الذين قالوا إن الآية نزلت فيهم لم يكن معهم نساء ولا أبناء.

ومنها: قوله وكل ما يفهم من الآية أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالا ونساء وأطفالا ، ويجمع هو المؤمنين رجالا ونساء وأطفالا ، ويبتهلون إلى الله بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى - إلى قوله -: وأنى لمن يؤمن بالله أن يرضى أن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد متوجهين إلى الله تعالى في طلب لعنه وإبعاده من رحمته؟ وأي جرأة على الله واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا؟.

وملخصه أن الآية تدعو الفريقين إلى الاجتماع بأنفسهم ونسائهم وذراريهم في صعيد واحد ثم الابتهال بالملاعنة ، وينبغي أن يستبان ما هذا الاجتماع المدعو إليه؟ أ هو اجتماع الفريقين كافة أعني المؤمنين بأجمعهم وهم يومئذ عرب ربيعة ومضر جلهم أو كلهم من اليمن والحجاز والعراق وغيرها ، والنصارى وهم أهل نجران من اليمن ونصارى الشام وسواحل البحر الأبيض وأهل الروم والإفرنج والإنجليز والنمسا وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت