ثم أطبق المفسرون على إيرادها وإيداعها في تفاسيرهم من غير اعتراض أو ارتياب ، وفيهم جمع من أهل الحديث والتاريخ كالطبري وأبي الفداء بن كثير والسيوطي وغيرهم ثم من الذي يعنيه من الشيعة المصادر لهذه الروايات؟ أ يريد بهم الذين تنتهي إليهم سلاسل الأسناد في الروايات أعني سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة؟ أو التابعين الذين نقلوا عنهم بالأخذ والرواية كأبي صالح والكلبي والسدي والشعبي وغيرهم ، وأنهم تشيعوا لنقلهم ما لا يرتضيه بهواه فهؤلاء وأمثالهم ونظراؤهم هم الوسائط في نقل السنة ، ومع رفضهم لا تبقى سنة مذكورة ولا سيرة مأثورة ، وكيف يسع لمسلم أو باحث حتى ممن لا ينتحل بالإسلام أن يبطل السنة ثم يروم أن يطلع على تفاصيل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تعليم وتشريع والقرآن ناطق بحجية قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته ، وناطق ببقاء الدين على حيوته ، ولو جاز بطلان السنة من رأس لم يبق للقرآن أثر ولا لإنزاله ثمر.
أو أنه يريد أن الشيعة دسوا هذه الأحاديث في جوامع الحديث وكتب التاريخ ، فيعود محذور سقوط السنة ، وبطلان الشريعة بل يكون البلوى أعم والفساد أتم.
ومنها: قوله: ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة ، وكلمة أنفسنا على علي فقط ، مراده به أنهم يقولون بأن كلمة نساءنا أطلقت وأريدت بها فاطمة وكذا المراد بكلمة أنفسنا علي فقط ، وكأنه فهمه مما يشتمل عليه بعض الروايات السابقة: قال جابر: نساءنا فاطمة وأنفسنا علي الخبر ، وقد أساء الفهم فليس المراد في الآية بلفظ نسائنا فاطمة ، وبلفظ أنفسنا علي بل المراد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لم يأت في مقام الامتثال إلا بها وبه كشف ذلك أنها هي المصداق الفرد لنسائنا ، وأنه هو المصداق الوحيد لأنفسنا وأنهما مصداق أبنائنا ، وكان المراد بالأبناء والنساء والأنفس في الآية هو الأهل فهم أهل بيت رسول الله وخاصته كما ورد في بعض الروايات بعد ذكر إتيانه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهم إنه قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فإن معنى الجملة أني لم أجد من أدعوه غير هؤلاء.
ويدل على ما ذكرناه من المراد ما وقع في بعض الروايات: أنفسنا وأنفسكم رسول الله وعلي ، فإن اللفظ صريح في أن المقصود بيان المصداق دون معنى اللفظ.
ومنها: قوله: ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية فإن كلمة نساءنا لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج ولا يفهم هذا من لغتهم ، وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي ، وهذا المعنى العجيب الذي توهمه هو الذي أوجب أن يطرح هذه الروايات على كثرتها ثم يطعن على رواتها وكل من تلقاها بالقبول ، ويرميهم بما ذكره وقد كان من الواجب عليه أن يتنبه لموقفه من تفسير الكتاب ، ويذكر هؤلاء الجم الغفير من أئمة البلاغة وأساتيذ البيان ، وقد أوردوها في تفسيرهم وسائر مؤلفاتهم من غير أي تردد أو اعتراض.
فهذا صاحب الكشاف - وهو الذي ربما خطأ أئمة القراءة في قراءتهم - يقول في ذيل تفسير الآية: وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (عليهم السلام) وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف: أنهم أجابوا إلى ذلك ، انتهى.
فكيف خفي على هؤلاء العظماء أبطال البلاغة وفرسان الأدب أن هذه الأخبار على كثرتها وتكررها في جوامع الحديث تنسب إلى القرآن أنه يغلط في بيانه فيطلق النساء وهو جمع في مورد نفس واحدة؟.
لا وعمري ، وإنما التبس الأمر على هذا القائل واشتبه عنده المفهوم بالمصداق فتوهم: أن الله عز اسمه لو قال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم"الخ"وصح أن المحاجين عند نزول الآية وفد نجران وهم أربعة عشر رجلا على ما في بعض الروايات ليس عندهم نساء ولا أبناء ، وصح أيضا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إلى مباهلتهم وليس معه إلا علي وفاطمة والحسنان كان لازم ذلك أن معنى من حاج وفد نجران ، ومعنى نسائنا المرأة الواحدة ، ومعنى أنفسنا النفس الواحدة ، وبقي نساؤكم وأبناؤكم لا معنى لهما إذ لم يكن مع الوفد نساء ولا أبناء!.