و من عجيب الكلام ما ذكره بعض المفسرين حيث قال: إن الروايات متفقة على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اختار للمباهلة عليا وفاطمة وولديهما ، ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة ، وكلمة أنفسنا على علي فقط ، ومصادر هذه الروايات الشيعة ، ومقصدهم منها معروف ، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة ، ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية فإن كلمة نسائنا لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج ولا يفهم هذا من لغتهم.
وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي ، ثم إن وفد نجران الذين قالوا: إن الآية نزلت فيهم لم يكن معهم نساؤهم وأولادهم ، وكل ما يفهم من الآية أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن يدعوا المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالا ونساء وأطفالا ويجمع هو المؤمنين رجالا ونساء وأطفالا ، ويبتهلون إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى.
وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه ، وثقته بما يقول كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم على امترائهم في حجاجهم ومما رأتهم فيما يقولون وزلزالهم فيما يعتقدون ، وكونهم على غير بينة ولا يقين ، وإني لمن يؤمن بالله أن يرضى بأن يجتمع هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد متوجهين إلى الله في طلب لعنه وإبعاده من رحمته وأي جرأة على الله واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا؟.
قال: أما كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى (عليه السلام) فحسبنا في بيانه قوله تعالى: من بعد ما جاءك من العلم ، فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلا اليقين ، وفي قوله: ندع أبناءنا وأبناءكم"الخ"وجهان: أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر فأنتم تدعون أبناءنا ، ونحن ندعو أبناءكم ، وهكذا الباقي.
وثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله فنحن المسلمون ندعو أبناءنا ونساءنا وأنفسنا ، وأنتم كذلك.
ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس ، وإنما الإشكال فيه على قول الشيعة ، ومن شايعهم على القول بالتخصيص ، انتهى.
أقول: وهذا الكلام - وأحسب أن الناظر فيه يكاد يتهمنا في نسبته إلى مثله ، واللبيب لا يرضى بإيداعه وأمثاله في الزبر العلمية - إنما أوردناه على وهنه وسقوطه ليعلم أن النزعة والعصبية إلى أين يورد صاحبه من سقوط الفهم ورداءة النظر فيهدم كل ما بنى عليه ويبني كل ما هدمه ولا يبالي ، ولأن الشر يجب أن يعلم ليجتنب عنه.
والكلام في مقامين أحدهما: دلالة الآية على أفضلية علي (عليه السلام) ، وهو بحث كلامي خارج عن الغرض الموضوع له هذا الكتاب ، وهو النظر في معاني الآيات القرآنية.
وثانيهما: البحث عما ذكره هذا القائل من حيث تعلقه بمدلول آية المباهلة ، والروايات الواردة في ما جرى بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين وفد نجران ، وهذا بحث تفسيري داخل في غرضنا.
وقد عرفت ما تدل عليه الآية ، وأن الذي نقلناه من الأخبار المتكثرة المتظافرة هو الذي يطابق مدلول الآية ، وبالتأمل في ذلك يتضح وجوه الفساد في هذه الحجة المختلقة والنظر الواهي الذي لا يرجع إلى محصل ، وهاك تفصيلها: منها: أن قوله: ومصادر هذه الروايات الشيعة - إلى قوله: وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة ، بعد قوله: إن الروايات متفقة ، ليت شعري أي روايات يعني بهذا القول؟ أ مراده هذه الروايات المتظافرة التي أجمعت على نقلها وعدم طرحها المحدثون ، وليست بالواحدة والاثنتين والثلاث أطبق على نقلها وتلقيها بالقبول أهل الحديث ، وأثبتها أرباب الجوامع في جوامعهم ، ومنهم مسلم في صحيحه والترمذي في صحيحه وأيدها أهل التاريخ.