فهرس الكتاب

الصفحة 658 من 4314

قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ، قد مر أن الكفر بآيات الله غير الكفر بالله تعالى ، وأن الكفر بالله هو الالتزام بنفي التوحيد صريحا كالوثنية والدهرية ، والكفر بآيات الله إنكار شيء من المعارف الإلهية بعد ورود البيان ووضوح الحق ، وأهل الكتاب لا ينكرون أن للعالم إلها واحدا ، وإنما ينكرون أمورا من الحقائق بينتها لهم الكتب السماوية المنزلة عليهم وعلى غيرهم كنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكون عيسى عبدا لله ورسولا منه ، وأن إبراهيم ليس بيهودي ولا نصراني ، وأن يد الله مبسوطة ، وأن الله غني ، إلى غير ذلك ، فأهل الكتاب في لسان القرآن كافرون بآيات الله غير كافرين بالله ، ولا ينافيه قوله تعالى:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب": التوبة - 29 ، حيث نفى الإيمان عنهم صريحا ، وليس إلا الكفر وذلك أن ذكر عدم تحريمهم للحرام وعدم تدينهم بدين الحق في الآية يشهد بأن المراد من توصيفهم بعدم الإيمان هو التوصيف بلازم الحال فلازم حالهم من الكفر بآيات الله عدم الإيمان بالله واليوم الآخر وإن لم يشعروا به ، وليس بالكفر الصريح.

وفي قوله تعالى: وأنتم تشهدون - والشهادة هو الحضور والعلم عن حس - دلالة على أن المراد بكفرهم بآيات الله إنكارهم كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو النبي الموعود الذي بشر به التوراة والإنجيل مع مشاهدتهم انطباق الآيات والعلائم المذكورة فيهما عليه.

ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن لفظ الآيات عام شامل لجميع الآيات ولا وجه لتخصيصه بآيات النبوة بل المراد كفرهم بجميع الآيات الحقة والوجه في فساده ظاهر.

قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل إلى آخر الآية ، اللبس بفتح اللام إلقاء الشبهة والتمويه أي تظهرون الحق في صورة الباطل.

وفي قوله: وأنتم تعلمون دلالة أو تلويح على أن المراد باللبس والكتمان ما هو في المعارف الدينية غير ما يشاهد من الآيات كالآيات التي حرفوها أو كتموها أو فسروها بغير ما يراد منها.

وهاتان الآيتان أعني قوله يا أهل الكتاب لم تكفرون - إلى قوله: وأنتم تعلمون - تتمة لقوله تعالى: ودت طائفة الآية ، وعلى هذا فعتاب الجميع بفعال البعض بنسبته إليهم من جهة اتحادهم في العنصر والنسل والصفة ، ورضاء البعض بفعال البعض وهو كثير الورود في القرآن.

قوله تعالى: وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل إلى آخر الآية ، المراد بوجه النهار بقرينة مقابلته بآخره هو أوله فإن وجه الشيء ما يبدو ويظهر به لغيره وهو في النهار أوله ، وسياق قولهم يكشف عن نزول وحي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجه النهار يوافق ما عليه أهل الكتاب وآخر في آخره يخالف ما هم عليه فإنما هو الذي دعاهم إلى أن يقولوا هذا القول.

وعلى هذا فقوله: بالذي أنزل على الذين آمنوا أريد به شيء خاص من وحي القرآن يوافق ما عند أهل الكتاب ، وقوله: وجه النهار منصوب على الظرفية ومتعلق بقوله: أنزل ، لا بقوله: آمنوا صيغة الأمر لأنه أقرب ، وقوله: واكفروا آخره في معنى واكفروا بما أنزل في آخره فيكون من وضع الظرف موضع المظروف بالمجاز العقلي نظير قوله تعالى:"بل مكر الليل والنهار": سبأ - 33.

وبذلك يتأيد ما ورد في سبب النزول عن أئمة أهل البيت: أن هذه كلمة قالتها اليهود حين تغيير القبلة حيث صلى رسول الله صلاة الصبح إلى بيت المقدس وهو قبلة اليهود ، ثم حولت القبلة في صلاة الظهر نحو الكعبة فقالت طائفة من اليهود: آمنوا بما أنزل على الذين آمنوا وجه النهار يريدون استقبال بيت المقدس ، واكفروا آخره يريدون استقبال الكعبة.

ويؤيده قولهم بعده على ما حكاه الله: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، أي لا تثقوا بمن لا يتبع دينكم بالإيمان به فتفشوا عنده شيئا من أسراركم والبشارات التي عندكم وكان من علائم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه يحول القبلة إلى الكعبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت