و ذكر بعضهم أن قوله: وجه النهار متعلق بقوله: آمنوا بصيغة الأمر والمراد به أول النهار ، وقوله: آخره ظرف بتقدير في ، ومتعلق بقوله واكفروا ، والمراد بقولهم: آمنوا بالذي أنزل"الخ"أن يظهر عدة منهم الإيمان بالقرآن ويلحقوا بجماعة المؤمنين ثم يرتدوا في آخر النهار بإظهار أنهم إنما آمنوا أول النهار لما كاد يلوح لهم من أمارات الصدق والحق من ظاهر الدعوة الإسلامية ، وإنما ارتدوا آخر النهار لما تبين لهم من شواهد البطلان وعدم انطباق ما عندهم من بشارات النبوة وعلائم الحقانية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون ذلك مكيدة تكاد بها المؤمنون فيرتابون في دينهم ، ويهنون في عزيمتهم فينكسر بذلك سورتهم وتبطل أحدوثتهم.
وهذا المعنى في نفسه غير بعيد وخاصة من اليهود الذين لم يألوا جهدا في الكرة على الإسلام لإطفاء نوره من أي طريق ممكن غير أن لفظ الآية لا ينطبق عليه ، وسيأتي للكلام تتمة نتعرض لها في البحث الروائي التالي إن شاء الله العزيز.
وقال بعضهم: إن المراد آمنوا بصلاتهم إلى الكعبة أول النهار واكفروا به آخره لعلهم يرجعون وقال آخرون: المعنى أظهروا الإيمان في صدر النهار بما أقررتم به من صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واكفروا آخره بإبداء أن ما وصف به النبي الموعود لا ينطبق عليه لعلهم يرتابون بذلك فيرجعوا عن دينهم ، وهذان الوجهان لا شاهد عليهما.
وكيف كان المراد ، لا إجمال في الآية.
قوله تعالى: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم"الخ"، الذي يعطيه السياق هو أن تكون هذه الجملة من قول أهل الكتاب تتمة لقولهم: آمنوا بما أنزل على الذين آمنوا ، وكذا قوله تعالى: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ، ويكون قوله:"قل إن الهدى هدى الله"جملة معترضة هو جواب الله سبحانه عن مجموع ما تقدم من كلامهم أعني قولهم: آمنوا بما أنزل إلى قوله دينكم ، على ما يفيده تغيير السياق ، وكذا قوله تعالى قل إن الفضل بيد الله جوابه تعالى عن قولهم: أن يؤتى أحد إلى آخره ، هذا هو الذي يقتضيه ارتباط أجزاء الكلام واتساق المعاني في الآيتين أولا ، وما تناظر الآيتين من الآيات الحاكية لأقوال اليهود في الجدال والكيد ثانيا.
والمعنى - والله أعلم - أن طائفة من أهل الكتاب - وهم اليهود - قالت أي قال بعضهم لبعض: صدقوا النبي والمؤمنين في صلاتهم وجه النهار إلى بيت المقدس ولا تصدقوهم في صلاتهم إلى الكعبة آخر النهار ، ولا تثقوا في الحديث بغيركم فيخبروا المؤمنين أن من شواهد نبوة النبي الموعود تحويل القبلة إلى الكعبة فإن في تصديقكم أمر الكعبة وإفشائكم ما تعلمونه من كونها من أمارات صدق الدعوة محذور أن يؤتى المؤمنون مثل ما أوتيتم من القبلة فيذهب به سوددكم ويبطل تقدمكم في أمر القبلة ، ومحذور أن يقيموا عليكم الحجة عند ربكم أنكم كنتم عالمين بأمر القلبة الجديدة شاهدين على حقيته ثم لم تؤمنوا.
فأجاب الله تعالى عن قولهم في الإيمان بما في وجه النهار والكفر في آخره وأمرهم بكتمان أمر القبلة لئلا يهتدي المؤمنون إلى الحق بأن الهدى الذي يحتاج إليه المؤمنون الذي هو حق الهدى إنما هو هدى الله دون هداكم ، فالمؤمنون في غنى عن ذلك فإن شئتم فاتبعوا وإن شئتم فاكفروا وإن شئتم فأفشوا وإن شئتم فاكتموا.
وأجاب تعالى عما ذكروه من مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا أو يحاجوهم عند ربهم بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا بيدكم حتى تحبسوه لأنفسكم وتمنعوا منه غيركم ، وأما حديث الكتمان مخافة المحاجة فقد أعرض عن جوابه لظهور بطلانه كما فعل كذلك في قوله تعالى في هذا المعنى بعينه:"و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أ تحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أ فلا تعقلون أ ولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون": البقرة - 77 ، فقوله: أ ولا يعلمون ، إيذان بأن هذا القول بعد ما علموا أن الله لا يتفاوت فيه السر والعلانية كلام منهم لا يستوي على تعقل صحيح ، وليس جوابا لمكان الواو في قوله: أ ولا يعلمون.
وعلى ما مر من المعنى فقوله تعالى: ولا تؤمنوا معناه ، لا تثقوا ولا تصدقوا لهم الوثاقة وحفظ السر على حد قوله تعالى:"و يؤمن للمؤمنين": البراءة - 61 ، والمراد بقوله لمن تبع ، اليهود.