و المراد بالجملة النهي عن إفشاء ما كان عندهم من حقية تحويل القبلة إلى الكعبة كما مر في قوله تعالى:"فول وجهك شطر المسجد الحرام - إلى أن قال: وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم - إلى أن قال: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون": البقرة - 146.
وفي معنى الآية أقوال شتى دائرة بين المفسرين كقول بعضهم: إن قوله تعالى: ولا تؤمنوا إلى آخر الآية كلام لله تعالى لا لليهود ، وخطاب الجمع في قوله: ولا تؤمنوا وقوله: ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم جميعا للمؤمنين ، وخطاب الإفراد في قوله: قل ، في الموضعين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقول آخرين بمثله إلا أن خطاب الجمع في قوله: أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ، لليهود في الكلام عتاب وتقريع.
وقول آخرين إن قوله: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم من كلام اليهود ، وقوله: قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد"الخ"كلام لله تعالى جوابا عما قالته اليهود ، وكذا الخلاف في معنى الفضل أن المراد به الدين أو النعمة الدنيوية أو الغلبة أو غير ذلك.
وهذه الأقوال على كثرتها بعيدة عما يعطيه السياق كما قدمنا الإشارة إليه ولذا لم نشتغل بها فضل اشتغال.
قوله تعالى: قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ، الفضل هو الزائد عن الاقتصاد ، ويستعمل في المحمود كما أن الفضول يستعمل في المذموم ، قال الراغب: وكل عطية لا تلزم من يعطي يقال لها فضل نحو قوله: واسألوا الله من فضله - ذلك فضل الله - ذو الفضل العظيم ، وعلى هذا قوله: قل بفضل الله - ولو لا فضل الله انتهى.
وعلى هذا فقوله: إن الفضل بيد الله ، من قبيل الإيجاز بالقناعة بكبرى البيان القياسي ، والتقدير: قل إن هذا الإنزال والإيتاء الإلهي الذي تحتالون في تخصيصه بأنفسكم بالتظاهر على الإيمان والكفر ، والإيصاء بالكتمان أمر لا نستوجبه معاشر الناس على الله تعالى بل هو من الفضل ، والفضل بيد الله الذي له الملك وله الحكم فله أن يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.
ففي الكلام نفي ما يدل عليه قولهم وفعلهم من تخصيص النعمة الإلهية بأنفسهم بجميع جهاته المحتملة فإن تنعم بعض الناس بفضل الله تعالى دون البعض كتنعم اليهود بنعمة الدين والقبلة ، وحرمان غيرهم إما أن يكون لأن الفضل منه تعالى يمكن أن يقع تحت تأثير الغير فيزاحم المشية الإلهية ، ويحبس فضله عن جانب ، ويصرفه إلى آخر ، وليس كذلك فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وإما أن يكون لأن الفضل قليل غير واف والمفضل عليهم كثيرون فيكون إيتاؤه على البعض دون البعض يحتاج إلى انضمام مرجح فيحتال إلى إقامة مرجح لتخصيص البعض الذي ينعم عليه ، وليس كذلك فإن الله سبحانه واسع الفضل والمقدرة.
وإما أن يكون لأن الفضل وإن كان واسعا وبيد الله لكن يمكن أن يحتجب المفضل عليه عنه تعالى بجهل منه فلا ينال الفضل فيحتال في حجبه وستر حاله عنه تعالى حتى يحرم من فضله ، وليس كذلك فإن الله سبحانه عليم لا يطرأ عليه جهل.
قوله تعالى: يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، فلما كان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وكان واسعا عليما أمكن أن يختص بعض عباده ببعض نعمه فإن له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء ، وليس إذا لم يكن ممنوع التصرف في فضله وإيتائه عباده أن يجب عليه أن يؤتي كل فضله كل أحد فإن هذا أيضا نوع ممنوعية في التصرف بل له أن يختص بفضله من يشاء.
وقد ختم الكلام بقوله: والله ذو الفضل العظيم وهو بمنزلة التعليل لجميع المعاني السابقة فإن لازم عظمة الفضل على الإطلاق أن يكون بيده يؤتيه من يشاء ، وأن يكون واسعا في فضله ، وأن يكون عليما بحال عباده وما هو اللائق بحالهم من الفضل ، وأن يكون له أن يختص بفضله من يشاء.
وفي تبديل الفضل بالرحمة في قوله: يختص برحمته من يشاء ، دلالة على أن الفضل وهو العطية غير الواجبة من شعب الرحمة ، قال تعالى:"و رحمتي وسعت كل شيء": الأعراف - 156 ، وقال:"و لو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": النور - 21 ، وقال تعالى:"قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق": إسراء - 100.