و في الدر المنثور ، أخرج الطبراني عن ابن عباس: أن كتاب رسول الله إلى الكفار: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الآية وفي الدر المنثور ، أيضا: في قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تحاجون الآية أخرج ابن إسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل ، عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتنازعوا عنده ، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا ، وقالت النصارى ما كان إبراهيم إلا نصرانيا فأنزل الله فيهم: يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم - وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده إلى قوله والله ولي المؤمنين فقال أبو رافع القرظي أ تريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم فقال رجل من أهل نجران أ ذلك تريد يا محمد فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا أمرني فأنزل الله في ذلك من قولهما ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة - ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله إلى قوله بعد إذ أنتم مسلمون ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم وإقرارهم به على أنفسهم فقال وإذ أخذ الله ميثاق النبيين إلى قوله من الشاهدين.
أقول الآيات أعني قوله ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة إلى آخر الآيات أوفق سياقا وأسهل انطباقا على عيسى بن مريم (عليهما السلام) منه برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما سيجيء في الكلام على الآيات فلعل ما في الرواية من نزول الآيات في حق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) استنباط وتطبيق من ابن عباس على أن المعهود من دأب القرآن التعرض لهذا النوع من القول في صورة السؤال والجواب أو الحكاية والرد.
وفي تفسير الخازن ، روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ورواه محمد بن إسحاق عن ابن شهاب بإسناده حديث هجرة الحبشة قال لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأناس من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أرض الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وكان من أمر بدر ما كان اجتمعت قريش في دار الندوة وقالوا إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد ثارا ممن قتل منكم ببدر فاجمعوا مالا واهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ولينتدب إليه رجلان من ذوي رأيكم.
فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط معهم الهدايا الأدم وغيره فركبا البحر حتى أتيا الحبشة فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له إن قومنا لك ناصحون شاكرون ولأصحابك محبون وإنهم بعثونا إليك لنحذر هؤلاء الذين قدموا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء وإنا كنا قد ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل عليهم أحد فقتلهم الجوع والعطش فلما اشتد عليه الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكم قال وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك.
قال: فدعاهم النجاشي فلما حضروا صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب الله تعالى ، فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه ، ففعل جعفر فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته فنظر عمرو إلى صاحبه فقال: أ لا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به الملك؟ فأساءهما ذلك.