فهرس الكتاب

الصفحة 675 من 4314

أما الطريق الأول فتوضيحه أن حقيقة البنوة والتولد هو أن يجزىء واحد من هذه الموجودات الحية المادية كالإنسان والحيوان بل النبات أيضا شيئا من مادة نفسه ثم يجعله بالتربية التدريجية فردا آخر من نوعه مماثلا لنفسه يترتب عليه من الخواص والآثار ما كان يترتب على المجزأ منه كالحيوان يفصل من نفسه النطفة ، والنبات يفصل من نفسه اللقاح ثم يأخذ في تربيته تدريجا حتى يصيره حيوانا أو نباتا آخر مماثلا لنفسه ، ومن المعلوم أن الله سبحانه يمتنع عليه ذلك: أما أولا فلاستلزامه الجسمية المادية ، والله سبحانه منزه من المادة ولوازمها الافتقارية كالحركة والزمان والمكان وغير ذلك ، وأما ثانيا فلأن الله سبحانه لإطلاق ألوهيته وربوبيته له القيومية المطلقة على ما سواه فكل شيء سواه مفتقر الوجود إليه قائم الوجود به فكيف يمكن فرض شيء غيره يماثله في النوعية يستقل عنه بنفسه ، ويكون له من الذات والأوصاف والأحكام ما له من غير افتقار إليه ، وأما ثالثا فلأن جواز الإيلاد والاستيلاد عليه تعالى يستلزم جواز الفعل التدريجي عليه تعالى ، وهو يستلزم دخوله تحت ناموس المادة والحركة وهو خلف بل ما يقع بإرادته ومشيته تعالى إنما يقع من غير مهلة وتدريج.

وهذا البيان هو الذي يفيده قوله تعالى:"و قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون": البقرة - 117 ، وعلى ما قربناه فقوله: سبحانه برهان ، وقوله: له ما في السموات والأرض كل له قانتون برهان آخر وقوله: بديع السموات والأرض إذا قضى"الخ"برهان ثالث.

ويمكن أن يجعل قوله: بديع السموات والأرض من قبيل إضافة الصفة إلى فاعلها ، ويستفاد منه أن خلقه تعالى على غير مثال سابق فلا يمكن منه الإيلاد لأنه خلق على مثال نفسه لأن مفروضهم العينية فيكون هذه الفقرة وحدها برهانا آخر.

ولو فرض قولهم: اتخذ الله ولدا كلاما ملقى لا على وجه الحقيقة بل على وجه التوسع في معنى الابن والولد بأن يراد به انفصال شيء عن شيء يماثله في الحقيقة من غير تجز مادي أو تدريج زماني وهذا هو الذي يرومه النصارى بقولهم: المسيح بن الله بعد تنقيحه ليتخلص بذلك عن إشكال الجسمية والمادية والتدريج بقي إشكال المماثلة.

توضيحه أن إثبات الابن والأب إثبات للعدد بالضرورة ، وهو إثبات للكثرة الحقيقية وإن فرضت الوحدة النوعية بين الأب والابن كالأب والابن من الإنسان هما واحد في الحقيقة الإنسانية ، وكثير من حيث إنهما فردان من الإنسان ، وعلى هذا فلو فرض وحدة الإله كان كل ما سواه ومن جملتها الابن غيرا له مملوكا مفتقرا إليه فلا يكون الابن المفروض إلها مثله ، ولو فرض ابن مماثل له غير مفتقر إليه بل مستقل مثله بطل التوحيد في الإله عز اسمه.

وهذا البيان هو المدلول عليه بقوله تعالى:"و لا تقولوا ثلثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض ، وكفى بالله وكيلا": النساء - 171.

وأما الطريق الثاني وهو بيان أن شخص عيسى بن مريم (عليهما السلام) ليس ابنا لله مشاركا له في الحقيقة الإلهية فلما كان فيه من البشرية ولوازمها.

وتوضيحه أن المسيح (عليه السلام) حملت به مريم ، وربته جنينا في رحمها ، ثم وضعته وضع المرأة ولدها ، ثم ربته كما يتربى الولد في حضانة أمه ، ثم أخذ في النشوء وقطع مراحل الحيوة والارتقاء في مدارج العمر من الصبا والشباب والكهولة ، وفي جميع ذلك كان حاله حال إنسان طبيعي في حيوته ، يعرضه من العوارض والحالات ما يعرض الإنسان: من جوع وشبع ، وسرور ومساءة ، ولذة وألم ، وأكل وشرب ، ونوم ويقظة ، وتعب وراحة ، وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت