و قد نفى الله سبحانه الفدية بالخصوص في قوله:"فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأويكم النار": الحديد - 15 ، وقد تقدم فيما مر أن من هذا القبيل قول المسيح فيما يحكيه الله تعالى عنه:"و إذ قال الله يا عيسى بن مريم أ أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق - إلى أن قال - ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم": المائدة - 118 فإن قوله: وكنت عليهم"الخ"في معنى أنه لم يكن لي شأن فيهم إلا ما أنت وظفته علي وعينته وهو تبليغ الرسالة والشهادة على الأعمال ما دمت فيهم ، وأما هلاكهم ونجاتهم وعذابهم ومغفرتهم فإنما ذلك إليك من غير أن يرتبط بي شيء من ذلك أو يكون لي شأن فيه فأملك لهم شيئا منك أخرجهم به من عذابك أو تسلطك عليهم ، وفي ذلك نفي الفداء إذ لو كان هناك فداء لم يصح تبريه من أعمالهم وإرجاع العذاب والمغفرة معا إلى الله سبحانه بنفي ارتباطهما به أصلا.
وفي معنى هذه الآيات قوله تعالى:"و اتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون": البقرة - 48 ، وكذا قوله تعالى:"يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة": البقرة - 254 ، وقوله تعالى:"يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم": المؤمن - 33 ، فإن العدل في الآية الأولى والبيع في الآية الثانية والعصمة من الله في الآية الثالثة مما ينطبق عليه الفداء فنفيها نفي الفداء.
نعم أثبت القرآن الشريف في مورد المسيح الشفاعة بدل ما يثبتونه من الفداء والفرق بينهما أن الشفاعة كما تقدم البحث عنها في قوله تعالى:"و اتقوا يوما لا تجزي"،: البقرة - 48 ، نوع من ظهور قرب الشفيع ومكانته لدى المشفوع عنده من غير أن يملك الشفيع منه شيئا أو يسلب عنه ملك أو سلطنة ، أو يبطل حكمه الذي خالفه المجرم أو يبطل قانون المجازاة بل إنما هو نوع دعاء واستدعاء من الشفيع لتصرف المشفوع عنده وهو الرب ما يجوز له من التصرف في ملكه ، وهذا التصرف الجائز مع وجود الحق هو العفو الجائز للمولى مع كونه ذا حق أن يعذبه لمكان المعصية وقانون العقوبة.
فالشفيع يحضه ويستدعي منه أن يعمل بالعفو والمغفرة في مورد استحقاق العذاب للمعصية من غير أن يسلب من المولى ملك أو سلطان بخلاف الفداء فإنه كما مر معاملة يتبدل به سلطنة من شيء إلى شيء آخر هو الفداء ويخرج المفدي عنه عن سلطان القابل الآخذ للفداء.
ويدل على هذا الذي ذكرناه قوله تعالى:"و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف - 86 ، فإنه صريح في وقوع الشفاعة من المستثنى ، والمسيح (عليه السلام) ممن كانوا يدعونهم من دون الله ، وقد نص القرآن بأن الله علمه الكتاب والحكمة ، وبأنه من الشهداء يوم القيامة ، قال تعالى:"و يعلمه الكتاب والحكمة": آل عمران - 48 ، وقال تعالى حكاية عنه:"و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم": المائدة - 117 ، وقال تعالى:"و يوم القيامة يكون عليهم شهيدا": النساء - 159 ، فالآيات كما ترى تدل على كون المسيح (عليه السلام) من الشفعاء ، وقد تقدم تفصيل القول في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى:"و اتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا الآية: البقرة - 48."
6 -من أين نشأ هذه الآراء؟
القرآن ينفي أن يكون المسيح (عليه السلام) هو الملقي لهذه الآراء والعقائد إليهم والمروج لها فيما بينهم بل إنهم تعبدوا لرؤسائهم في الدين وسلموا الأمر إليهم وهم نقلوا إليهم عقائد الماضين من الوثنيين كما قال تعالى:"و قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون الآيات": التوبة - 31.