ثم قال تعالى وهو أول هداية دينية ألقاها إلى آدم ومن معه حين إهباطهم من الجنة:"قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": البقرة - 39 ، وما يشتمل عليه بمنزلة التلخيص لتفاصيل الشرائع إلى يوم القيامة ففيه تشريع ووعد ووعيد عليه من غير تردد وارتياب ، وقد قال تعالى:"الحق أقول": ص - 84 ، وقال تعالى:"ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ،: ق - 29 ، فبين أنه لا يتردد فيما جزم به من الأمر ولا ينقض ما أنفذه من الأمر فما يقضيه ، هو الذي يمضيه ، وإنما يفعل ما قاله ، فلا ينحرف فعله عن المجرى الذي أراد عليه لا من جهة نفسه بأن يريد شيئا ثم يتردد في فعله ، أو يريده ثم يبدو له فلا يفعله ولا جهة غيره بأن يريد شيئا ويقطع به ويعزم عليه ثم يمنعه مانع من العقل أو يبدو إشكال يعترض عليه في طريق الفعل فكل ذلك من قهر القاهر ، وغلبة المانع الخارجي قال تعالى:"و الله غالب على أمره": يوسف - 21 ، وقال تعالى:"إن الله بالغ أمره": الطلاق - 3 ، وقال تعالى حكاية عن موسى:"قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى": طه - 52 ، وقال تعالى:"اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب: المؤمن - 17.
تدل هذه الآيات وما يشابهها على أنه تعالى إنما خلق الخلق ولم يغفل عن أمره ، ولم يجهل شيئا مما سيظهر منه ولم يندم على ما فعله ، ثم شرع لهم الشرائع تشريعا جديا فاصلا من غير هزل ولا خوف ولا رجاء ، ثم إنه يجزي كل ذي عمل بعمله ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر من غير أن يغلبه تعالى غالب ، أو يحكم عليه حاكم من شريك أو فدية أو خلة أو شفاعة من دون إذنه فكل ذلك ينافي ملكه المطلق لما سواه من خلقه.
وعاشرا: ما ذكروه من حديث الفداء وحقيقة الفداء أن يلزم الإنسان أو ما يتعلق به من نفس أو مال أثر سيىء من قتل أو فناء فيعوض بغيره أي شيء كان ليصان بذلك من لحوق ذلك الأثر به كما يفدي الإنسان الأسير بنفس أو مال وكما تفدي الجرائم والجنايات بالأموال ويسمى البدل فدية وفداء ، فالتفدية نوع معاملة ينتزع بها حق صاحب الحق وسلطنته عن المفدي عنه إلى الفداء فيستنقذ به المفدي عنه من أن يلحق به الشر.
ومن هنا يظهر أن الفداء غير معقول في ما يتعلق بالله سبحانه فإن السلطنة الإلهية - على خلاف السلطنة الوضعية الاعتبارية الإنسانية - سلطنة حقيقية واقعية غير جائزة التبديل مستحيلة الصرف ، فالأشياء بأعيانها وآثارها موجودة قائمة بالله سبحانه وكيف يتصور تغيير الواقع عما هو عليه فليس إلا أمرا لا يمكن تعقله فضلا عن أن يمكن وقوعه وهذا بخلاف الملك والسلطنة والحق وأمثالها الدائرة بيننا معاشر أبناء الاجتماع فإنها وأمثالها أمور وضعية اعتبارية زمامها بأيدينا ، نحن المجتمعين نبطلها مرة ، ونبدلها أخرى على حسب تغير مصالحنا في الحيوة والمعاش راجع ما تقدم من البحث في تفسير قوله تعالى:"ملك يوم الدين: الحمد - 4 ، وقوله تعالى:"قل اللهم مالك الملك الآية: آل عمران - 26.