فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 4314

و إذا فرض هناك من تكمل بالعمل بالشرائع السابقة وكم من الأنبياء والربانيين من الأمم السالفة كذلك كالنبي المكرم إبراهيم وموسى (عليهما السلام) وغيرهما وقد قضوا وماتوا قبل إدراك زمان الفداء فما ذا ترى أ ترى أنهم ختموا الحيوة على الشقاء أو السعادة؟ وما الذي استقبلهم به الموت وعالم الآخرة؟ استقبلهم بالعقاب والهلاك أم بالثواب والحيوة السعيدة؟.

مع أن المسيح يصرح بأنه إنما أرسل لتخليص المذنبين والمخطئين وأما الصلحاء والأخيار فلا حاجة لهم إلى ذلك؟ وبالجملة فلا يبقى لتشريع الشرائع الإلهية وجعل النواميس الدينية قبل فداء المسيح غرض صحيح يصونه عن العبث واللغوية ، ولا لهذا الفعل العجيب من الله تعالى وتقدس - محمل حق إلا أن يقال ، إنه تعالى كان يعلم أن لو لم يرفع محذور خطيئة آدم لم ينفعه شيء من هذه التشريعات قط ، وإنما شرع هذه الشرائع على سبيل الاحتياط برجاء أن سيوفق يوما لرفع المحذور ويجني ثمرة تشريعه بعد ذلك ، ويبلغ غايته ويظفر بأمنيته إذ ذاك فشرع ما شرع بكتمان الأمر عن الأنبياء والناس ، وإخفاء أن هاهنا محذورا لو لم يرتفع خابت مساعي الأنبياء والمؤمنين كافة ، وذهبت الشرائع سدى ، وإظهار أن التشريع والدعوة على الجد والحقيقة.

فغر الناس وغر نفسه: أما غرور الناس فبإظهار أن العمل بالشرائع يضمن مغفرتهم وسعادتهم ، وأما غرور نفسه فلأن التشريع بعد رفع المحذور بالفداء يعود لغوا لا أثر له في سعادة الناس كما أنه من غير رفع المحذور كان لا أثر له فهذا ، حال تشريع الدين قبل وصول أوان الفداء وتحققه!.

وأما في زمان الفداء وبعده فالأمر في صيرورة التشريع والدعوة الدينية والهداية الإلهية لغوا أوضح وأبين ، فما هي الفائدة في الإيمان بالمعارف الحقة والإتيان بالأعمال الصالحة بعد ارتفاع محذور الخطيئة ، واستيجاب نزول المغفرة والرحمة على الناس مؤمنهم وكافرهم ، برهم وفاجرهم ، من غير فرق بين أتقى الأتقياء وأشقى الأشقياء في أنهما يشتركان في الهلاك المؤبد مع بقاء الخطيئة ، وفي الرحمة اللازمة مع ارتفاعها بالفداء والمفروض أنه لا ينفع أي عمل صالح في رفعها لو لا الفداء.

فإن قيل: إن الفداء إنما ينفع في حق من آمن بالمسيح فللدعوة ثمرة كما يصرح به المسيح في بشارته.

قيل: مضافا إلى أنه مناقض لما تقدمت الإشارة إليه من كلام يوحنا في رسالته ، أنه هدم لجميع الأصول الماضية إذ لا يبقى من الناس - آدم فمن دونه - في حظيرة النجاة والخلاص إلا شرذمة منهم وهم المؤمنون بالمسيح والروح بل واحدة من طوائفهم المختلفة في الأصول وأما غيرهم فهم باقون على الهلاك الدائم ، فليت شعري إلى ما يئول أمر الأنبياء المكرمين قبل المسيح وأمر المؤمنين من أممهم؟ وبما ذا يتصف الدعوة التي جاءوا بها من كتاب وحكم ، أ بالصدق أم بالكذب؟ والأناجيل تصدق التوراة ودعوتها ، وليس فيها دعوة إلى قصة الروح والفداء! وهل هي تصدق ما هو صادق أو تصدق الكاذب.

فإن قيل: إن الكتب السماوية السابقة فيما نعلم تبشر بالمسيح ، وهذه منهم دعوة إجمالية إلى المسيح وإن لم تفصل القول في كيفية نزوله وفدائه فلم يزل الله يبشر أنبياءه بظهور المسيح ليؤمنوا به ويطيبوا نفسا بما سيصنعه.

قيل: أولا: إن القول به قبل موسى تخرص على الغيب ، على أن البشارة لو كانت فإنما هي بشارة بالخلاص وليست بدعوة إلى الإيمان والتدين به.

وثانيا: إن ذلك لا يدفع محذور لغوية الدعوة في فروع الدين من الأخلاق والأفعال حتى من المسيح نفسه ، والأناجيل مملوءة بذلك.

وثالثا: إن محذور الخطيئة وانتقاض الغرض الإلهي باق على حاله فإن الله تعالى إنما خلقهم ليرحم جميعهم ويبسط النعمة والسعادة على كافتهم وقد آل أمره إلى عقابهم والغضب عليهم وإهلاكهم للأبد إلا شرذمة منهم.

فهذه نبذة من وجوه فساده عند العقل ، ويؤيده ويجري عليه القرآن الكريم ، قال تعالى:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه - 50 ، فبين أن كل شيء مهدي إلى غايته وما يبتغيه بوجوده ، والهداية تعم التكوينية والتشريعية فالسنة الإلهية جارية على بسط الهداية ، ومنها هداية الإنسان هداية دينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت