فهرس الكتاب

الصفحة 681 من 4314

و التعليم القرآني على خلاف هذا التعليم العجيب بتمام معنى الكلمة ، قال تعالى:"يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني": الفاطر - 15 ، والقرآن يسميه تعالى بأسماء ويصفه بصفات يستحيل معها عروض أي فقر وفاقة وحاجة ونقيصة وفقد وعدم وسوء وقبح وذل وهوان إلى ساحة قدسه وكبريائه.

فإن قيل: إن اتصافه بالهوان ، وحمله اللعن بواسطة اتحاده بالإنسان ، وإلا فهو تعالى في نفسه وحيال ذاته أجل من أن يعرضه ذلك.

قيل لهم: هل يوجب هذا الاتحاد حمله اللعن واتصافه بهذه الأمور الشاقة حقيقة ومن غير مجاز أو لا؟ فإن كان الأول لزم المحذور الذي ذكرناه ، وإن كان الثاني عاد الإشكال ، أعني أن تولد المسيح لم يوجب انحلال إشكال تزاحم الرحمة والعدل ، فإن تحمل غيره تعالى للمصائب وأقسام العذاب واللعن لا يتم أمر الفدية أي صيرورة الله فدية عن أفراد الإنسان ، وهو ظاهر.

وتاسعا: قولهم: إن ذلك كفارة لخطايا المؤمنين بعيسى بل لخطايا كل العالم ، يدل ذلك على أنهم لم يحصلوا حقيقة معنى الذنوب والخطايا وكيفية استتباعها للعقاب الأخروي وكيف يتحقق هذا العقاب ، ولم يعرفوا حقيقة الارتباط بين هذه الذنوب والخطايا وبين التشريع ، وما هو موقف التشريع من ذلك؟ على ما يتكفله البيان القرآني وتعليمه.

فقد بينا في المباحث السابقة في هذا الكتاب ومن جملتها ما في تفسير قوله تعالى:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما": البقرة - 26 ، وفي ذيل قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة: البقرة - 213 ، أن الأحكام والقوانين التي يقع فيها المخالفة والتمرد ثم الذنب والخطيئة إنما هي أمور وضعية اعتبارية أريد بوضعها واعتبارها أن يحفظ مصالح المجتمع الإنساني بالعمل بها والرقوب لها ، وأن العقاب المترتب على المعصية والمخالفة إنما هو تبعة سوء اعتبروه ووضعوه ليكون ذلك صارفا للإنسان المكلف عن اقتراف المعصية والتمرد عن الطاعة ، هذا ما عند العقلاء البانين للمجتمع الإنساني."

لكن التعليم القرآني يعطي في هذا المعنى ما هو أرقى من ذلك وأرق ويؤيده البحث العقلي على ما مر وهو أن الإنسان بانقياده للشرع المنصوب له من جانب الله وعدم انقياده له تتهيأ في نفسه حقائق من الصفات الباطنة الحميدة الفاضلة أو الرذيلة الخسيسة الخبيثة ، وهذه هي التي تهيىء للإنسان نعمة أخروية أو نقمة أخروية اللتين ممثلهما الجنة والنار وحقيقتهما القرب والبعد من الله فالحسنات أو الخطايا تتكي وتنتهي إلى أمور حقيقية لها نظام حقيقي غير اعتباري.

ومن البين أيضا أن التشريع الإلهي إنما هو تتمة للتكميل الإلهي في الخلقة ، وإنهاء الهداية التكوينية إلى غايتها وهدفها من الخلقة ، وبعبارة أخرى ، شأنه تعالى إيصال كل نوع إلى كمال وجوده وهدف ذاته ومن كمال وجود الإنسان النظام النوعي الصالح في الدنيا ، والحيوة الناعمة السعيدة في الآخرة ، والطريق إلى ذلك الدين الذي يتكفل قوانين صالحة لإصلاح الاجتماع وجهات من التقرب باسم العبادات يعمل بها الإنسان فينتظم بذلك معاشه ويتهيأ في نفسه ويصلح في ذاته وعمله للكرامة الإلهية في الدار الآخرة ، كل ذلك من جهة النور المجعول في قلبه والطهارة الحاصلة في نفسه هذا حق الأمر.

فللإنسان قرب وبعد من الله سبحانه هما الملاكان في سعادته وشقاوته الدائمتين ولصلاح اجتماعه المدني في الدنيا ، والدين هو العامل الوحيد في إيجاد هذا القرب والبعد ، وجميع ذلك أمور حقيقية غير مبتنية على اللغو والجزاف.

وإذا فرضنا أن اقتراف معصية واحدة كالأكل من الشجرة المنهية من آدم أوجب له الهلاك الدائم ولا له فحسب بل ولجميع ذريته ثم لم يكن هناك ما يعالج به الداء ويفرج به الهم إلا فداء المسيح فما فائدة تشريع الدين قبل المسيح؟ وما فائدة تشريعه معه؟ وما فائدة تشريعه بعده؟!.

وذلك أنه لما فرض أن الهلاك الدائم والعقاب الأخروي محتوم من جهة صدور المعصية لا ينفع في صرفه عن الإنسان لا عمل ولا توبة إلا بنحو الفداء لم يكن معنى لتشريع الشرائع وإنزال الكتب وإرسال الرسل من عند الله سبحانه ، ولم يزل الوعد والوعيد والإنذار والتبشير خالية عن وجه الصحة فما ذا كاد يصلحه هذا السعي بعد وجوب العذاب وحتم الفساد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت