و على الناقد المتبصر والمتأمل المتدبر أن يقايس بين القولين: ما يقول به القرآن الكريم في إله العالم فيثبت له كل صفة كمال ، وينزهه عن كل صفة نقص ، وبالأخرة يعده أكبر وأعظم من أن يحكم فيه أفهامنا بما صحبته من عالم الحد والتقدير ، وبين ما يثبته العهدان في الباري تعالى بما لا يوجد إلا في أساطير يونان ، وخرافات هند القديم والصين ، وأمور كان الإنسان الأولي يتوهمها فيتأثر مما قدمه إليه وهمه.
وسادسا: قولهم إن الله أرسل ابنه المسيح وأمره أن يحل رحما من الأرحام ليتولد إنسانا وهو إله ، وهذا هو القول غير المعقول الذي انتهض لبيان بطلانه القرآن الكريم على ما أوضحناه في البيان السابق فلا نعيد.
ومن المعلوم أن العقل أيضا لا يساعد عليه فإنك إذا تأملت فيما يجب من الصفات أن يقال باتصاف الواجب تعالى بها كالثبات السرمدي ، وعدم التغير ، وعدم تحدد الوجود ، والإحاطة بكل شيء ، والتنزه عن الزمان والمكان وما يتبعهما ، وتأملت في تكون إنسان من حين كونه نطفة فجنينا في رحم سواء اعتبرت في معناه تفسير الملكانيين لهذه الكلمة أو تفسير النسطوريين ، أو تفسير اليعقوبيين أو غيرهم إذ لا نسبة بين ما له الجسمية وجميع أوصاف الجسمية وآثارها وبين ما ليس فيه جسمية ولا شيء مما يتصف به من زمان أو مكان أو حركة أو غير ذلك فكيف يمكن تعقل الاتحاد بينهما بوجه.
وعدم انطباق القول المذكور على القضايا الضرورية العقلية هو السر فيما يذكره بولس وغيره من رؤسائهم القديسين من تقبيح الفلسفة والإزراء بالأحكام العقلية ، يقول بولس:"قد كتب لأهلكن حكمة الحكماء ولأخالفن فهم الفقهاء أين الحكيم أين الكاتب أين مستفحص هذا الدهر بتعمق؟ أ وليس قد حمق الله حكمة هذا العالم - إلى أن قال -: وإذ اليهود يسألون آية واليونانيون يطلبون حكمة نكرز نحن بالمسيح مصلوب"رسالة بولس - الإصحاح الأول ، ونظائر هذه الكلمات كثيرة في كلامه وكلام غيره وليست إلا لسياسة النشر والإذاعة والتبليغ والعظة ، يوقن بذلك من أرعى نظره في هذه الرسائل والكتب وتعمق في طريق تكليمها الناس وإلقاء بياناتها إليهم.
ومن ما مر يظهر ما في قولهم: إنه تعالى معصوم من الذنوب والخطايا فإن الإله الذي صوروه غير مصون عن الخطإ أصلا بمعنى الغلط في الإدراك والغلط في الفعل من غير أن ينتهي إلى مخالفة من يجب موافقته.
وأما الذنب والمعصية بمعنى التمرد فيما يجب فيه الطاعة والانقياد فهو غير متصور في حقه تعالى فالعصمة أيضا غير متصورة في حقه سبحانه.
وسابعا: قولهم: إنه بعد أن صار إنسانا عاشر الناس معاشرة الإنسان للإنسان حق تسخر لأعدائه فيه تجويز اتصاف الواجب بحقيقة من حقائق الممكنات حتى يكون إلها وإنسانا في عرض واحد ، فكان من الجائز أن يصير الواجب شيئا من مخلوقاته أي يتصف بحقيقة كل نوع من هذه الأنواع الخارجية ، فتارة يكون إنسانا من الأناسي ، وتارة فرسا ، وتارة طائرا ، وتارة حشرة ، وتارة غير ذلك ، وتارة يكون أزيد من نوع واحد من الأنواع كالإنسان والفرس والحشرة معا.
وهكذا يجوز أن يصدر عنه أي فعل فرض من أفعال الموجودات لجواز أن يصير هو ذلك النوع فيفعل فعله المختص به ، وكذا يجوز أن يصدر عنه أفعال متقابلة معا كالعدل والظلم ، وأن يتصف بصفات متقابلة كالعلم والجهل ، والقدرة والعجز ، والحياة والموت والغنى والفقر ، تعالى الملك الحق ، وهذا غير المحذور المتقدم في الأمر السادس.
وثامنا: قولهم: إنه تحمل الصلب واللعن أيضا لأن المصلوب ملعون ، ما ذا يريدون بقولهم: إنه تحمل اللعن؟ وما ذا يراد بهذا اللعن؟ أ هو هذا اللعن الذي يعرفه العرف واللغة وهو الإبعاد من الرحمة والكرامة أو غير ذلك؟ فإن كان هو الذي نعرفه ، وتعرفه اللغة فما معنى إبعاده تعالى نفسه من الرحمة أو إبعاد غيره إياه من الرحمة؟ فهل الرحمة إلا الفيض الوجودي وموهبة النعمة والاختصاص بمزايا الوجود فيرجع هذا الإبعاد واللعن بحسب المعنى إلى الفقر في المال أو الجاه أو نحو ذلك في الدنيا أو الآخرة أو كلتيهما ، وحينئذ فما معنى لحوق اللعن بالله تعالى وتقدس بأي وجه تصوروه؟ مع أنه الغني بالذات الذي هو يسد باب الفقر عن كل شيء.