و كانوا في زمن موسى يسيرون مسير الحيوة بالإمام وهو موسى وبعده يوشع (عليه السلام) ثم كانوا برهة من الزمان يدبر أمرهم القضاة مثل إيهود وجدعون وغيرهما.
وبعد ذلك يشرع فيهم عصر الملك وأول الملوك فيهم شاءول وهو الذي يسميه القرآن الشريف بطالوت ثم داود ثم سليمان.
ثم انقسمت المملكة وانشعبت القدرة ومع ذلك ملك فيهم ملوك كثيرون كرحبعام وأبيام ويربعام ويهوشافاط ويهورام وغيرهم بضعة وثلاثون ملكا.
ولم تزل تضعف القدرة بعد الانقسام حتى تغلبت عليهم ملوك بابل وتصرفوا في أورشليم وهو بيت المقدس ، وذلك في حدود سنة ستمائة قبل المسيح ، وملك بابل يومئذ بخت نصر بنو كدنصر ثم تمردت اليهود عن طاعته فأرسل إليهم عساكره فحاصروهم ثم فتحوا البلدة ، ونهبوا خزائن الملك ، وخزائن الهيكل المسجد الأقصى وجمعوا من أغنيائهم وأقويائهم وصناعهم ما يقرب من عشرة آلاف نفسا وساروا بهم إلى بابل ، وما أبقوا في المحل إلا الضعفاء والصعاليك ، ونصب بخت نصر"صديقا"وهو آخر ملوك بني إسرائيل ملكا عليهم ، وعليه الطاعة لبخت نصر.
وكان الأمر على ذلك قريبا من عشر سنين حتى وجد صدقيا بعض القوة والشدة ، واتصل بعض الاتصال بواحد من فراعنة مصر فاستكبر وتمرد عن طاعة بخت نصر.
فأغضب ذلك بخت نصر غضبا شديدا فساق إليهم الجيوش وحاصر بلادهم فتحصنوا عنه بالحصون ، وتمادى بهم التحصن قريبا من سنة ونصف حتى ظهر فيهم القحط والوباء.
وأصر بخت نصر على المحاصرة حتى فتح الحصون ، وذلك في سنة خمسمائة وست وثمانين قبل المسيح ، وقتل نفوسهم ، وخرب ديارهم وخربوا بيت الله ، وأفنوا كل آية وعلامة دينية ، وبدلوا هيكلهم تلا من تراب ، وفقدت عند ذلك التوراة والتابوت الذي كانت تجعل فيه.
وبقي الأمر على هذا الحال خمسين سنة تقريبا وهم قاطنون ببابل وليس من كتابهم عين ولا أثر ، ولا من مسجدهم وديارهم إلا تلال ورياع.
ثم لما جلس كورش من ملوك فارس على سرير الملك ، وكان من أمره مع البابليين ما كان ، وفتح بابل ودخله أطلق أسراء بابل من بني إسرائيل ، وكان عزرا المعروف من المقربين عنده فأمره عليهم ، وأجاز له أن يكتب لهم كتابهم التوراة ، ويبني لهم الهيكل ، ويعيدهم إلى سيرتهم الأولى وكان رجوع عزرا بهم إلى بيت المقدس سنة أربعمائة وسبعة وخمسين قبل المسيح ، وبعد ذلك جمع عزرا كتب العهد العتيق وصححها ، وهي التوراة الدائرة اليوم.
وأنت ترى بعد التدبر في القصة أن سنة التوراة الدائرة اليوم مقطوعة غير متصلة بموسى (عليه السلام) إلا بواحد وهو عزرا ، لا نعرفه أولا ولا نعرف كيفية اطلاعه وتعمقه ثانيا ، ولا نعرف مقدار أمانته ثالثا ، ولا نعرف من أين أخذ ما جمعه من أسفار التوراة رابعا ، ولا ندري بالاستناد إلى أي مستند صحح الأغلاط الواقعة أو الدائرة خامسا.
وقد أعقبت هذه الحادثة المشئومة أثرا مشئوما آخر وهو إنكار عدة من باحثي المؤرخين من الغربيين وجود موسى وما يتبعه ، وقولهم: إنه شخص خيالي كما قيل نظيره في المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام) ، لكن ذلك لا يسع لمسلم فإن القرآن الشريف يصرح بوجوده (عليه السلام) وينص عليه.
2 -قصة المسيح والإنجيل:
اليهود مهتمون بتاريخ قوميتهم ، وضبط الحوادث الظاهرة في الأعصار التي مرت بهم ، ومع ذلك فإنك لو تتبعت كتبهم ومسفوراتهم لم تعثر فيها على ذكر المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام) : لا على كيفية ولادته ، ولا على ظهوره ودعوته ولا على سيرته والآيات التي أظهرها الله على يديه ، ولا على خاتمة حيوته من موت أو قتل أو صلب أو غير ذلك ، فما هو السبب في ذلك؟ وما هو الذي أوجب خفاء أمره عليهم أو إخفاءهم أمره.
والقرآن يذكر عنهم أنهم قذفوا مريم ورموها بالبهتان في ولادة عيسى ، وأنهم ادعوا قتل عيسى ، قال تعالى:"و بكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا": النساء - 157.