فهل كانت دعواهم تلك مستندة إلى حديث دائر بينهم كانوا يذكرونه بين قصصهم القومية من غير أن يكون مودعا في كتاب؟ وعند كل أمة أحاديث دائرة من واقعيات وأساطير لا اعتبار بها ما لم تنته إلى مآخذ صحيحة قويمة.
أو أنهم سمعوا من النصارى الذكر المكرر من المسيح وولادته وظهوره ودعوته أخذوا ذلك من أفواههم وباهتوا مريم وادعوا قتل المسيح؟ لا طريق إلى استبانة شيء من ذلك غير أن القرآن - كما يظهر بالتدبر في الآية السابقة - لا ينسب إليهم صريحا إلا دعوى القتل دون الصلب ، ويذكر أنهم على ريب من الأمر ، وأن هناك اختلافا!.
وأما حقيقة ما عند النصارى من قصة المسيح وأمر الإنجيل والبشارة فهي أن قصته (عليه السلام) وما يتعلق بها تنتهي عندهم إلى الكتب المقدسة عندهم وهي الأناجيل الأربعة التي هي أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا ، وكتاب أعمال الرسل للوقا ، وعدة رسائل لبولس وبطرس ويعقوب ويوحنا ويهوذا ، واعتبار الجميع ينتهي إلى اعتبار الأناجيل فلنشتغل بها: أما إنجيل متى فهو أقدم الأناجيل في تصنيفه وانتشاره ذكر بعضهم أنه صنف سنة 38 الميلادية ، وذكر آخرون أنه كتب ما بين سنة 50 إلى سنة 60.
فهو مؤلف بعد المسيح.
والمحققون من قدمائهم ومتأخريهم على أنه كان أصله مكتوبا بالعبرانية ثم ترجم إلى اليونانية وغيرها أما النسخة الأصلية العبرانية فمفقودة ، وأما الترجمة فلا يدرى حالها ، ولا يعرف مترجمها.
وأما إنجيل مرقس: فمرقس هذا كان تلميذا لبطرس ، ولم يكن من الحواريين وربما ذكروا أنه إنما كتب إنجيله بإشارة بطرس وأمره ، وكان لا يرى إلهية المسيح ، ولذلك ذكر بعضهم أنه إنما كتب إنجيله للعشائر وأهل القرى فعرف المسيح تعريف رسول إلهي مبلغ لشرائع الله ، وكيف كان فقد كتب إنجيله سنة 61 ميلادية.
وأما إنجيل لوقا فلوقا هذا لم يكن حواريا ولا رأى المسيح وإنما تلقن النصرانية من بولس ، وبولس كان يهوديا متعصبا على النصرانية يؤذي المؤمنين بالمسيح ويقلب الأمور عليهم ، ثم اتفق مفاجأة أن ادعى أنه صرع وفي حال الصرع لمسه المسيح ولامه وزجره عن الإساءة إلى متبعيه وأنه آمن بالمسيح وأرسله المسيح ليبشر بإنجيله.
وبولس هذا هو الذي شيد أركان النصرانية الحاضرة على ما هي عليها فبنى التعليم على أن الإيمان بالمسيح كاف في النجاة من دون عمل ، وأباح لهم أكل الميتة ولحم الخنزير ونهى عن الختنة وكثيرا مما في التوراة مع أن الإنجيل لم يأت إلا مصدقا لما بين يديه من التوراة ، ولم يحلل إلا أشياء معدودة ، وبالجملة إنما جاء عيسى ليقوم شريعة التوراة ويرد إليها المنحرفين والفاسقين لا ليبطل العمل ويقصر السعادة على الإيمان الخالي.
وقد كتب لوقا إنجيله بعد إنجيل مرقس.
وذلك بعد موت بطرس وبولس ، وقد صرح جمع بأن إنجيله ليس كتابا إلهاميا كسائر الأناجيل كما يدل عليه ما وقع في مبتدإ إنجيله.
وأما إنجيل يوحنا فقد ذكر كثير من النصارى أن يوحنا هذا هو يوحنا بن زبدي الصياد أحد التلاميذ الاثنى عشر الحواريين الذي كان يحبه المسيح حبا شديدا.
وذكروا أن"شيرينطوس"و"أبيسون"وجماعتهما لما كانوا يرون أن المسيح ليس إلا إنسانا مخلوقا لا يسبق وجوده وجود أمه اجتمعت أساقفة آسيا وغيرهم في سنة 96 ميلادية عند يوحنا والتمسوا منه أن يكتب ما لم يكتبه الآخرون في أناجيلهم ، ويبين بنوع خصوصي لاهوت المسيح فلم يسعه أن ينكر إجابة طلبهم.
وقد اختلفت كلماتهم في السنة التي ألف فيها هذا الإنجيل فمن قائل إنها سنة 65 ، وقائل إنها سنة 96 ، وقائل إنها سنة 98.