و قال جمع منهم إنه ليس تأليف يوحنا التلميذ: فبعضهم على أنه تأليف طالب من طلبة المدرسة الإسكندرية ، وبعضهم على أن هذا الإنجيل كله وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه بل إنما صنفه بعضهم في ابتداء القرن الثاني ، ونسبه إلى يوحنا ليعتبره الناس ، وبعضهم على أن إنجيل يوحنا كان في الأصل عشرين بابا فألحقت كنيسة"أفاس"الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا ، فهذه حال هذه الأناجيل الأربعة ، وإذا أخذنا بالقدر المتيقن من هذه الطرق انتهت إلى سبعة رجال هم: متى ، مرقس ، لوقا ، يوحنا ، بطرس ، بولس ، يهوذا ، ينتهي ركونهم كله إلى هذه الأناجيل الأربعة وينتهي الأربعة إلى واحد هو أقدمها وأسبقها وهو إنجيل متى ، وقد مر أنه ترجمة مفقود الأصل لا يدرى من الذي ترجمه؟ وكيف كان أصله وعلى ما ذا كان يبني تعليمه ، أ برسالة المسيح أم بألوهيته.
وهذا الإنجيل الموجود يترجم أنه ظهر في بني إسرائيل رجل يدعى عيسى بن يوسف النجار وأقام الدعوة إلى الله ، وكان يدعي أنه ابن الله مولود من غير أب بشري وأن أباه أرسله ليفدي به الناس عن ذنوبهم بالصلب والقتل ، وأنه أحيا الميت ، وأبرأ الأكمه والأبرص ، وشفى المجانين بإخراج الجن من أبدانهم ، وأنه كان له اثنا عشر تلميذا: أحدهم متى صاحب الإنجيل بارك لهم وأرسلهم للدعوة وتبليغ الدين المسيحي"الخ".
فهذا ملخص ما تنتهي إليه الدعوة المسيحية على انبساطها على شرق الأرض وغربها ، وهو لا يزيد على خبر واحد مجهول الاسم والرسم ، مبهم العين والوصف.
وهذا الوهن العجيب في مبدإ القصة هو الذي أوجب لبعض أحرار الباحثين من أروبا أن ادعى أن المسيح عيسى بن مريم شخص خيالي صوره بعض النزعات الدينية على حكومات الوقت أو لها وتأيد ذلك بموضوع خرافي آخر يشبهه كل الشبه في جميع شئون القصة ، وهو موضوع"كرشنا"الذي تدعي وثنية الهند القديمة أنه ابن الله نزل عن لاهوته ، وفدى الناس بنفسه صلبا ليخلصهم من الأوزار والخطايا كما يدعى في عيسى المسيح حذو النعل بالنعل كما سيجيء ذكره.
وأوجب لآخرين من منتقدي الباحثين أن يذهبوا إلى أن هناك شخصين مسميين بالمسيح: المسيح غير المصلوب ، والمسيح المصلوب ، وبينهما من الزمان ما يزيد على خمسة قرون.
وأن التاريخ الميلاد الذي سنتنا هذه سنة ألف وتسعمائة وستة وخمسين منه لا ينطبق على واحد منهما بل المسيح الأول غير المصلوب يتقدم عليه بما يزيد على مائتين وخمسين سنة وقد عاش نحوا من ستين سنة ، والمسيح الثاني المصلوب يتأخر عنه بما يزيد على مائتين وتسعين سنة وقد عاش نحو من ثلاث وثلاثين سنة.
على أن عدم انطباق التاريخ الميلاد على ميلاد المسيح في الجملة مما لم يسع للنصارى إنكاره وهو سكتة تاريخية.
على أن هاهنا أمورا مريبة موهمة أخرى فقد ذكروا أنه كتب في القرنين الأولين من الميلاد أناجيل كثيرة أخرى ربما أنهوها إلى نيف ومائة من الأناجيل ، والأناجيل الأربعة منها ثم حرمت الكنيسة جميع تلك الأناجيل إلا الأناجيل الأربعة التي عرفت قانونية لموافقة متونها تعليم الكنيسة.
ومن جملة الأناجيل المتروكة إنجيل برنابا الذي ظهرت نسخة منها منذ سنين فترجمت إلى العربية والفارسية وهو يوافق في عامة قصصه ما قصه القرآن في المسيح عيسى بن مريم.
ومن العجيب أن المواد التاريخية المأثورة عن غير اليهود أيضا ساكتة عن تفاصيل ما ينسبه الإنجيل إلى الدعوة المسيحية من حديث البنوة والفداء وغيرهما ذكر المؤرخ الأمريكي الشهير هندريك ويلم وان لون في تأليفه في تاريخ البشر كتابا كتبه الطبيب إسكولابيوس كولتلوس الرومي سنة 62 الميلادية إلى ابن أخيه جلاديوسأنسا وكان جنديا في عسكر الروم بفلسطين يذكر فيه أنه عاد مريضا برومية يسمى بولس فأعجبه كلامه وقد كان بولس كلمه بالدعوة المسيحية وذكر له طرفا من أخبار المسيح ودعوته.
ثم يذكر أنه ترك بولس ولم يره حتى سمع بعد حين أنه قتل في طريق أوستى ثم يسأل ابن أخيه أن يبحث عن أخبار هذا النبي الإسرائيلي الذي كان يذكره بولس وعن أخبار بولس نفسه ويكتب إليه ما بلغه من ذلك.
فكتب إليه جلاديوسأنسا بعد ستة أسابيع من معسكر الروم بأورشليم أني سألت عدة من شيوخ البلد ومعمريهم عن عيسى المسيح فوجدتهم لا يحسنون مجاوبتي فيما أسألهم هذا والسنة سنة 62 ميلادية وهم شيوخ.