حتى لقيت بياع زيتون فسألته هل يعرفه فأنعم لي في الجواب ثم دلني على رجل اسمه يوسف وذكر أنه كان من أتباعه ومحبيه وأنه خبير بقصصه بصير بأخباره يستطيع أن يجيبك فيما تسأله عنه.
فلقيت يوسف اليوم بعد ما تفحصت أياما فوجدته شيخا هرما وقد كان قديما يصطاد السمك في بعض البحيرات من هذه الناحية.
كان الرجل على كبر سنه صحيح المشاعر جيد الحافظة وقص لي جميع الأخبار والقضايا الحادثة في ذلك الأوان أوان الاغتشاش والفتنة.
ذكر أن فونتيوس فيلاطوس كان حاكما على سامرا ويهودية في عهد القيصر تيبريوس.
فاتفق أن وقع أيام حكومته فتنة في أورشليم فسافر فونتيوس فيلاطوس إليه لإخماد ما فيه من نار الفتنة وكانت الفتنة هي ما شاع يومئذ أن ابن نجار من أهل الناصرة يدعو الناس ويستنهضهم على الحكومة.
فلما تحققوا أمره تبين أن ابن النجار المتهم شاب عاقل متين لم يرتكب ما يوجب عليه سياسة غير أن رؤساء المذهب من اليهود كانوا يخالفونه ويباغضونه بأشد ما يكون وقد قالوا لفيلاطوس إن هذا الشاب الناصري يقول لو أن يونانيا أو روميا أو فلسطينيا عامل الناس وعاشرهم بالعدالة والشفقة كان عند الله كمن صرف عمره في مطالعة كتاب الله وتلاوة آياته.
وكان هذه التعرضات والاقتراحات لم تؤثر في فيلاطوس أثرها لكنه لما سمع ازدحام الناس قبال المعبد وهم يريدون أن يقبضوا على عيسى وأصحابه ويقطعوهم إربا إربا رأى أن الأصلح أن يقبض هو على هذا الشاب النجار ويسجنه حتى لا يقتل بأيدي الناس في غوغائهم.
وكان فيلاطوس لم يتضح له سبب ما ينقمه الناس من عيسى كل الاتضاح وكلما كلم الناس في أمره وسألهم واستوضحهم علت أصواتهم وتنادوا هو كافر هو ملحد هو خائن فلم ينته الأمر إلى طائل.
حتى استقر رأي فيلاطوس أن يكلم عيسى بنفسه فأشخصه وكلمه وسأله عما يقصده بما يبلغه من الدين فأجابه عيسى أنه لا يهتم بأمر الحكومة والسياسة ولا له في ذلك غرض وأنه يهتم بالحياة الروحانية أكثر مما يهتم بأمر الحياة الجسمانية وأنه يعتقد أن الإنسان يجب أن يحسن إلى الناس ويعبد الله الفرد الواحد وحده الذي هو في حكم الأب لجميع أرباب الحياة من المخلوقات.
وكان فيلاطوس ذا خبرة في مذاهب الرواقيين وسائر فلاسفة يونان فكأنه لم ير في ما كلمه به عيسى موضع غمضة ولا محل مؤاخذة ولذلك عزم ثانيا أن يخلص هذا النبي السليم المتين من شر اليهود وسوف في حكم قتله وإنجازه.
لكن اليهود لم يرضوا بذلك ولم يتركوه على حاله بل أشاعوا عليه أنه فتن بأكاذيب عيسى وأقاويله وأن فيلاطوس يريد الخيانة على قيصر وأخذوا يستشهدون عليه ويسجلون الطوامير على ذلك يريدون به عزله من الحكومة وقد كان برز قبل ذلك فتن وانقلابات في فلسطين والقوى المؤمنة القيصرية قليلة العدة لا تقوى على إسكات الناس فيها كل القوة.
وكان على الحكام وسائر المأمورين من ناحية قيصر أن لا يعاملوا الناس بما يجلب شكواهم وعدم رضايتهم.
فلهذه الأسباب لم ير فيلاطوس بدا من أن يفدي هذا الشاب المسجون للأمن العام ويجيب الناس فيما سألوه من قتله.
وأما عيسى فإنه لم يجزع من الموت بل استقبله على شهامة من نفسه وقد عفا قبل موته عمن تسبب إلى قتله من اليهود ثم قضى به على الصليب والناس يسخرون منه ويشتمونه ويسبونه.
قال جلاديوسأنسا هذا ما قص لي يوسف من قصة عيسى ودموعه تجري على خديه وحين ودعني للمفارقة قدمت إليه شيئا من المسكوك الذهبي لكنه أبى أن يأخذه وقال لي يوجد هاهنا من هو أفقر مني فأعطه إياه.
وسألته عن بولس رفيقك المعهود فما كان يعرفه معرفة تامة والقدر الذي تبين من أمره أنه كان رجلا خياما ثم ترك شغله واشتغل بالتبليغ لهذا المذهب الجديد مذهب الرب الرءوف الرحيم الإله الذي بينه وبين يهوه إله يهود الذي لا نزال نسمعه من علماء اليهود من الفرق ما هو أبعد مما بين السماء والأرض.
والظاهر أن بولس سافر أولا إلى آسيا الصغرى ثم إلى يونان وأنه كان يقول للعبيد والأرقاء إنهم جميعا أبناء لأب يحبهم ويرأف بهم وأن السعادة ليست تخص بعض الناس دون بعض بل تعم جميع الناس من فقير وغني بشرط أن يعاشروا على المؤاخاة ويعيشوا على الطهارة والصداقة انتهى ملخصا.
هذه عامة فقرات هذا الكتاب مما يرتبط بما نحن فيه من البحث.