و بالتأمل في جمل مضامين هذا الكتاب يتحصل للمتأمل أن ظهور الدعوة المسيحية كيف كان في بني إسرائيل بعيد عيسى (عليه السلام) وأنه لم يكن إلا ظهور دعوة نبوية بالرسالة من عند الله لا ظهور دعوة إلهية بظهور اللاهوت ونزولها إليهم وتخليصهم بالفداء ثم إن عدة من تلامذة عيسى أو المنتسبين إليه كبولس وتلامذة تلامذتهم سافروا بعد وقعة الصلب إلى مختلف أقطار الأرض من الهند وإفريقية ورومية وغيرها وبسطوا الدعوة المسيحية لكنهم لم يلبثوا دون أن اختلفوا في مسائل أصلية من التعليم كلاهوت المسيح وكفاية الإيمان بالمسيح عن العمل بشريعة موسى وكون دين الإنجيل دينا أصيلا ناسخا لدين موسى أو كونه تابعا لشريعة التوراة مكملا إياها فافترقوا عند ذلك فرقا.
والذي يجب الإمعان فيه أن الأمم التي بسطت الدعوة المسيحية وظهرت فيها أول ظهورها كالروم والهند وغيرهما كانوا قبلها منتحلين بالوثنية الصابئة أو البرهمنية أو البوذائية وفيها أصول من مذاق التصوف من جهة والفلسفة البرهمنية من جهة وفيها جميعا شطر وافر من ظهور اللاهوت في مظهر الناسوت على أن القول بتثليث الوحدة ونزول اللاهوت في لباس الناسوت وتحملها الصلب والعذاب فداء كان دائرا بين القدماء من وثنية الهند والصين ومصر وكلدان والآشور والفرس ، وكذا قدماء وثنية الغرب كالرومان والإسكندناويين وغيرهم على ما يوجد في الكتب المؤلفة في الأديان والمذاهب القديمة.
ذكر"دوان"في كتابه"خرافات التوراة وما يماثلها في الأديان الأخرى"إذا رجعنا البصر إلى الهند نرى أن أعظم وأشهر عبادتهم اللاهوتية هو التثليث ، ويسمون هذا التعليم بلغتهم"ترىمورتى"وهي عبارة مركبة من كلمتين بلغتهم السنسكريتية"ترى"ومعناها الثلاثة و"مورتى"ومعناها هيئات أو أقانيم ، وهي"برهما"، وفشنو ، وسيفا"ثلاثة أقانيم متحدة لا ينفك عن الوحدة فهي إله واحد بزعمهم."
ثم ذكر: أن برهما عندهم هو الأب وفشنو هو الابن وسيفا هو روح القدس.
ثم ذكر أنهم يدعون سيفا"كرشنا"الرب المخلص والروح العظيم الذي ولد منه"فشنو"الإله الذي ظهر بالناسوت على الأرض ليخلص الناس فهو أحد الأقانيم الثلاثة التي هي الإله الواحد.
وذكر أيضا: أنهم يرمزون للأقنوم الثالث بصورة حمامة كما يقوله النصارى.
وقال مستر"فابر"في كتابه"أصل الوثنية"كما نجد عند الهنود ثالوثا مؤلفا من"برهما"و"فشنو"و"سيفا"نجد عند البوذيين ثالوثا فإنهم يقولون: إن"بوذ"إله له ثلاثة أقانيم ، وكذلك بوذيو جينست يقولون: إن"جيفا"مثلث الأقانيم.
قال: والصينيون يعبدون بوذه ويسمونه"فو"ويقولون إنه ثلاثة أقانيم كما تقول الهنود.
وقال دوان في كتابه المتقدم ذكره: وكان قسيسوا هيكل منفيس بمصر يعبرون عن الثالوث المقدس للمبتدئين بتعلم الدين بقولهم: إن الأول خلق الثاني والثاني خلق الثالث ، وبذلك تم الثالوث المقدس.
وسأل توليسو ملك مصر الكاهن تنيشوكى أن يخبره: هل كان قبله أحد أعظم منه؟ وهل يكون بعده أحد أعظم منه؟ فأجابه الكاهن: نعم يوجد من هو أعظم وهو الله قبل كل شيء ثم الكلمة ومعهما روح القدس ، ولهذه الثلاثة طبيعة واحدة ، وهم واحد بالذات وعنهم صدرت القوة الأبدية ، فاذهب يا فاني يا صاحب الحياة القصيرة.
وقال بونويك في كتابه"عقائد قدماء المصريين"أغرب كلمة عم انتشارها في ديانة المصريين هي قولهم بلاهوت الكلمة ، وأن كل شيء حصل بواسطتها ، وأنها منبثقة من الله ، وأنها هي الله ، انتهى ، وهذا عين العبارة التي يبتدي بها إنجيل يوحنا.
وقال"هيجين"في كتاب"الإنكلوساكسون"كان الفرس يدعون متروسا الكلمة والوسيط ومخلص الفرس.
ونقل عن كتاب سكان أوروبة الأولين: أنه كان الوثنيون القدماء يقولون: إن الإله مثلث الأقانيم.
ونقل عن اليونان والرومان والفنلنديين والإسكندناويين قضية الثالوث السابق الذكر ، وكذا القول بالكلمة عن الكلدانيين والآشوريين والفينيقيين.