و قد كانوا وصفوا المسلمين لأتباعهم وصفا لم يدعهم إلا أن يروا دين الإسلام دين الوثنية يستفاد ذلك من الشعارات والأشعار التي نظموها في استنهاض النصارى وتهييجهم على المسلمين في الحروب الصليبية التي نشبت بينهم وبين المسلمين سنين متطاولة.
فإنهم كانوا يرون أن المسلمين يعبدون الأصنام وأن لهم آلهة ثلاثة أسماؤها على الترتيب ماهوم ويسمى بافوميد وماهومند وهو أول الآلهة وهو محمد وبعده ايلين وهو الثاني وبعده ترفاجان وهو الثالث وربما يظهر من بعض كلماتهم أن للمسلمين إلهين آخرين وهما مارتوان وجوبين ولكنهما بعد الثلاثة المتقدمة رتبة وكانوا يقولون إن محمدا بنى دعوته على دعوى الألوهية وربما قالوا إنه كان اتخذ لنفسه صنما من ذهب.
وفي أشعار ريشار التي قالها لاستنهاض الإفرنج على المسلمين قوموا وقلبوا ماهومند وترفاجان وألقوهما في النار تقربا من إلهكم.
وفي أشعار رولان في وصف ماهوم إله المسلمين أنه مصنوع تاما من الذهب والفضة ولو رأيته أيقنت أنه لا يمكن لصانع أن يصور في خياله أجمل منه ثم يصنعه عظيمة جثته جيدة صنعته وفي سيمائه آثار الجلالة ظاهرة ماهوم مصنوع من الذهب والفضة يكاد سنا برقه يذهب بالبصر وقد أقعد على فيل هو من أحسن المصنوعات وأجودها بطنه خال وربما أحس الناظر من بطنه ضوءا هو مرصعة بالأحجار الثمينة المتلألئة يرى باطنه من ظاهره ولا يوجد له في جودة الصنعة نظير.
ولما كانت آلهة المسلمين يوحون إليهم في مواقع الشدة وقد انهزم المسلمون في بعض حروبهم بعث قائد القوم واحدا في طلب إلههم الذي كان بمكة يعني محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) يروي بعض من شاهد الواقعة أن الإله يعني محمدا جاءهم وقد أحاط به جم غفير من أتباعه وهم يضربون الطبول والعيدان والمزامير والبوقات المعمولة من فضة ويتغنون ويرقصون حتى أتوا به إلى المعسكر بسرور وترح ومرح وقد كان خليفته منتظرا لقدومه فلما رآه قام على ساقه واشتغل بعبادته بخضوع وخشوع.
ويذكر"ريشار"أيضا في وصف وحي الإله ماهوم الذي سمعت وصفه فيقول:"إن السحرة سخروا واحدا من الجن وجعلوه في بطن ذلك الصنم ، وكان ذلك الجني يرعد ويعربد أولا ثم يأخذ في تكليم المسلمين وهم ينصتون له".
وأمثال هذه الطرف توجد كثيرا 004 في بطن ذلك الصنم وكان ذلك الجني يرعد ويعربد أولا ثم يأخذ في كتبهم المؤلفة في سني الحروب الصليبية أو المتعرضة لشئونها وإن كان ربما أبهتت القارىء وأدهشته تعجبا وحيرة ، وكاد أن لا يصدق صحة النقل حين يحدث له أمور لم يشاهدها مسلم في يقظة ولا رآها في نومة أو نعسة.
وثالثا: أن يتحقق الباحث المتدبر كيفية طرق التطور على الدعوة المسيحية في مسيرها خلال القرون الماضية حتى اليوم ، فإن العقائد الوثنية وردت فيها بخفي دبيبها أولا بالغلو في حق المسيح (عليه السلام) ثم تمكنت فأفرغت الدعوة في قالب التثليث: الأب والابن والروح ، والقول بالصلب والفداء ، واستلزم ذلك القول برفض العمل والاكتفاء بالاعتقاد.
وكان ذلك أولا في صورة الدين وكان يعقد أزمتهم بالكنيسة بإتيان أشياء من صوم وصلاة وتعميد لكن لم يزل الإلحاد ينمو جسمه ويقوى روحه ويبرز الانشعابات حتى ظهرت البروتستانت ، وقامت القوانين الرسمية مقام الهرج والمرج في السياسات مدونة على أساس الحرية في ما وراء القانون الأحكام العملية المضمونة الإجراء فلم يزل التعليم الديني يضعف أثرا ويخيب سعيا حتى انثلمت تدريجا أركان الأخلاق والفضائل الإنسانية عقيب شيوع المادية التي استتبعتها الحرية التامة.
وظهرت الشيوعية والاشتراك بالبناء على فلسفة ماترياليسم ديالكتيك ورفض القول باللاهوت والأخلاق الفاضلة الثابتة والأعمال الدينية فانهدمت الإنسانية المعنوية ، وورثتها الحيوانية المادية مؤلفة من سبعية وبهيمية ، وانتهضت الدنيا تسير إليها سيرا حثيثا.
وأما النهضات الدينية التي عمت الدنيا أخيرا فليست إلا ملاعب سياسية يلعب بها رجال السياسة للتوسل بها إلى غاياتهم وأمانيهم فالسياسة الفنية اليوم تدق كل باب وتدب كل جحر وثقب.