هذا هو المجمع الأول وكم من مجمع بعد ذلك عقدوه للتبري عن المذاهب المستحدثة كمذهب النسطورية واليعقوبية والأليانية واليليارسية والمقدانوسية والسباليوسية والنوئتوسية والبولسية وغيرها.
ومع هذا كانت الكنيسة تقوم بالواجب من مراقبتها ولا تتوانى ولا تهن في دعوتها وتزيد كل يوم في قوتها وسيطرتها حتى وفقت لجلب سائر دول أوروبا إلى التنصر كفرنسا والإنجليز والنمسا والبروس والإسبانيا والبرتغال والبلجيك وهولندا وغيرهم إلا الروسيا أواخر القرن الخامس الميلاد سنة 496.
ولم تزل تتقدم وترتقي الكنيسة من جانب ومن جانب آخر كانت تهاجم الأمم الشمالية والعشائر البدوية على الروم والحروب والفتن تضعف سلطنة القياصرة وآل الأمر إلى أن أجمعت أهل الروم والأمم المتغلبة على إلقاء زمام أمور المملكة إلى الكنيسة كما كانت زمام أمور الدين بيدها فاجتمعت السلطنة الروحانية والجسمانية لرئيس الكنيسة اليوم وهو البابا جريجوار وكان ذلك سنة 590 الميلادية.
وصارت كنيسة الروم لها الرئاسة المطلقة للعالم المسيحي غير أن الروم لما كانت انشعبت إمبراطوريته إلى الروم الغربي الذي عاصمتها روما والروم الشرقي الذي عاصمتها قسطنطينية كانت قياصرة الروم الشرقي يعدون أنفسهم رؤساء دينيين لمملكتهم من غير أن يتبعوا كنيسة روما وهذا مبدأ انشعاب المسيحية إلى الكاثوليك أتباع كنيسة روما والأورثوذكس وهم غيرهم.
وكان الأمر على ذلك حتى إذا فتحت قسطنطينية بيد آل عثمان وقتل القيصر بالياولوكوس وهو آخر قياصرة الروم الشرقي وقسيس الكنيسة اليوم قتل في كنيسة أياصوفيا.
وادعى وراثة هذا المنصب الديني أعني رئاسة الكنيسة قياصرة روسيا لقرابة سببية كانت بينهم وبين قياصرة الروم وكانت الروس تنصرت في القرن العاشر الميلاد فصارت ملوك روسيا قسيسي كنيسة أرضهم غير تابعة لكنيسة روما وكان ذلك سنة 1454 الميلادية.
وبقي الأمر على هذا الحال نحوا من خمسة قرون حتى قتل تزار نيكولا وهو آخر قياصرة الروسيا قتل هو وجميع أهل بيته سنة 1918 الميلادية بيد الشيوعيين فعادت كنيسة روما تقريبا إلى حالها قبل الانشعاب.
لكن الكنيسة في أثر ما كانت تحاول رؤساؤها السلطة على جميع جهات حيوة الناس في القرون الوسطى التي كانت الكنيسة فيها في أوج ارتقائها وارتفاعها ثار عليها جماهير من المتدينين تخلصا من القيود التي كانت تحملها عليهم الكنيسة.
فخرجت طائفة عن تبعية أحكام رؤساء الكنيسة والباباوات وطاعتهم مع البقاء على طاعة التعليم الإنجيلي على ما يفهمه مجامعهم ويقرره اتفاق علمائهم وقسيسهم وهؤلاء هم الأورثوذكس.
وطائفة خرجت عن متابعة كنيسة روما أصلا فليسوا بتابعين في التعليم الإنجيلي لكنيسة روما ولا معتنين للأوامر الصادرة منها وهؤلاء هم البروتستانت.
فانشعب العالم المسيحي اليوم إلى ثلاث فرق الكاثوليك وهي التابعة لكنيسة روما وتعليمها والأورثوذكس وهي التابعة لتعليم الكنيسة دون نفسها وقد حدثت شعبتهم بحدوث الانشعاب في الكنيسة وخاصة بعد انتقال كنيسة قسطنطينية إلى مسكو بروسيا كما تقدم والبروتستانت وهي الخارجة عن تبعية الكنيسة وتعليمها جميعا وقد استقلت طريقتهم وتظاهرت في القرن الخامس عشر الميلاد.
هذا إجمال ما جرى عليه أمر الدعوة المسيحية في زمان يقرب من عشرين قرنا والبصير بالغرض الموضوع له هذا الكتاب يعلم أن القصد من ذكر جمل تاريخهم أولا أن يكون الباحث على بصيرة من التحولات التاريخية في مذهبهم والمعاني التي يمكن أن تنتقل إلى عقائدهم الدينية بنحو التوارث أو السراية أو الانفعال بالامتزاج أو الألف والعادة من عقائد الوثنية والأفكار الموروثة منهم أو المأخوذة عنهم.
وثانيا أن اقتدار الكنيسة وخاصة كنيسة روما بلغ بالتدريج في القرون الوسطى الميلادية إلى نهاية أوجه حتى كانت لهم سيطرة الدين والدنيا وانقادت لهم كراسي الملك بأوربا فكان لهم عزل من شاءوا ونصب من شاءوا.
يروى أن البابا مرة أمر إمبراطور ألمانيا أن يقف ثلاثة أيام حافيا على باب قصره في فصل الشتاء لزلة صدرت منه يريد أن يغفرها له.
ورفس البابا مرة تاج الملك برجله حيث جاءه جاثيا يطلب المغفرة.