فهرس الكتاب

الصفحة 692 من 4314

و قد كانت الدعاة تدعو إلى المؤاخاة والمحابة والتساوي والمعاشرة الجميلة بين الناس ، ورفض الدنيا وعيشتها الكدرة الفانية ، والإقبال على الحيوة الصافية السعيدة التي في ملكوت السماء ، ولهذا بعينه ما كان يعني بحالهم الطبقة الحاكمة من الملوك والقياصرة كل العناية ، ولا يقصدونهم بالأذى والسياسة والطرد.

فلم يزالوا يزيدون عددا من غير تظاهر وتنافس وينمون قوة وشدة حتى حصل لهم جم غفير في إمبراطورية الروم وإفريقية والهند وغيرها من البلاد ، ولم يزالوا كلما بنوا كنيسة وفتحوا بابها على وجوه الناس هدموا بذلك واحدا من بيوت الأوثان أغلقوا بابه.

وكانوا لا يعتنون بمزاحمة رؤساء الوثنية في هدم أساسهم ، ولا بملوك الوقت وحكامه في التعالي عن خضوعهم وفي مخالفة أحكامهم ودساتيرهم ، وربما كان ذلك يؤديهم إلى الهلاك والقتل والحبس والعذاب فكان لا تزال تقتل طائفة وتسجن أخرى وتشرد ثالثة.

وكان الأمر على هذه الصفة إلى أوان ملك القيصر"كنستانتين"فآمن بالملة المسيحية وأعلن بها فأخذ التنصر بالرسمية وبنيت الكنائس في الروم وما يتبع إمبراطوريته من الممالك ، وذلك في النصف الأخير من القرن الرابع الميلادي.

تمركزت النصرانية يومئذ في كنيسة الروم وأخذت تبعث القسيسين إلى أكناف الأرض من البلاد التابعة يبنون الكنائس والديرات ومدارس يدرسون بها التعليم الإنجيلي.

والذي يجب إلفات النظر إليه أنهم وضعوا البحث على أصول مسلمة إنجيلية فأخذوا التعاليم الإنجيلية كمسألة الأب والابن والروح ، ومسألة الصلب والفداء وغير ذلك أصولا مسلمة وبنوا البحث والتنقير عليها.

وهذا أول ما ورد على أبحاثهم الدينية من الوهن والوهاء فإن استحكام البناء المبني وإن بلغ ما بلغ واستقامته لا يغني عن وهن الأساس المبني عليه شيئا ، وما بنوا عليه من مسألة تثليث الوحدة والصلب والفداء أمر غير معقول.

وقد اعترف عدة من باحثيهم في التثليث بأنه أمر غير معقول لكنهم اعتذروا عنه بأنه من المسائل الدينية التي يجب أن تقبل تعبدا فكم في الأديان من مسألة تعبدية تحيلها العقول.

وهو من الظنون الفاسدة المتفرعة على أصلهم الفاسد ، وكيف يتصور وقوع مسألة مستحيلة في دين حق؟ ونحن إنما نقبل الدين ونميز كونه دين حق بالعقل وكيف يمكن عند العقل أن تشتمل العقيدة الحقة على أمر يبطله العقل ويحيله؟ وهل هذا إلا تناقض صريح؟.

نعم يمكن أن يشتمل الدين على ممكن يخرق العادة الجارية ، والسنة الطبيعية القائمة ، وأما المحال الذاتي فلا البتة.

وهذا الطريق المذكور من البحث هو الذي أوجب وقوع الخلاف والمشاجرة بين الباحثين المتفكرين منهم في أوائل انتشار صيت النصرانية وانكباب المحصلين على الأبحاث المذهبية في مدارس الروم والإسكندرية وغيرهما.

فكانت الكنيسة تزيد كل يوم في مراقبتها لوحدة الكلمة وتهيىء مجمعا مشكلا عند ظهور كل قول حديث وبدعة جديدة من البطارقة والأساقفة لإقناعهم بالمذهب العام وتكفيرهم ونفيهم وطردهم وقتلهم إذا لم يقنعوا.

وأول مجمع عقدوه مجمع نيقيه لما قال أريوس: إن أقنوم الابن غير مساو لأقنوم الأب ، وإن القديم هو الله والمسيح مخلوق.

اجتمعت البطارقة والمطارفة والأساقفة في قسطنطينية بمحضر من القيصر كنستانتين وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، واتفقوا على هذه الكلمة"نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شيء ، وصانع ما يرى وما لا يرى ، وبالإبن الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد ، بكر الخلائق كلها ، وليس بمصنوع ، إله حق من إله حق ، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وكل شيء ، الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا نزل من السماء ، وتجسد من روح القدس ، وولد من مريم البتول ، وصلب أيام فيلاطوس ، ودفن ثم قام في اليوم الثالث ، وصعد إلى السماء ، وجلس عن يمين أبيه ، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء ، ونؤمن بروح القدس الواحد ، روح الحق الذي يخرج من أبيه ، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا ، وبجماعة واحدة قدسية مسيحية - جاثليقية ، وبقيام أبداننا والحيوة أبد الآبدين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت