فهرس الكتاب

الصفحة 697 من 4314

و يمكن أن يكون ما شرطية وجزاؤها قوله لتؤمنن به ، والمعنى مهما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ، وهذا أحسن لأن دخول اللام المحذوف قسمها في الجزاء أشهر ، والمعنى عليه أسلس وأوضح ، والشرط في موارد المواثيق أعرف ، وأما قراءة كسر اللام في"لما"فاللام فيها للتعليل وما موصولة ، والترجيح لقراءة الفتح.

والخطاب في قوله: آتيتكم ، وقوله: جاءكم ، وإن كان بحسب النظر البدوي للنبيين لكن قوله بعد: أ أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ، قرينة على أن الخطاب للنبيين وأممهم جميعا أي أن الخطاب مختص بهم وحكمه شامل لهم ولأممهم جميعا فعلى الأمم أن يؤمنوا وينصروا كما على النبيين أن يؤمنوا وينصروا.

وظاهر قوله: ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ، التراخي الزماني أي إن على النبي السابق أن يؤمن وينصر النبي اللاحق ، وأما ما يظهر من قوله: قل آمنا بالله"الخ"أن الميثاق مأخوذ من كل من السابق واللاحق للآخر ، وأن على اللاحق أن يؤمن وينصر السابق كالعكس فإنما هو أمر يشعر به فحوى الخطاب دون لفظ الآية كما سيجيء إن شاء الله العزيز.

وقوله: لتؤمنن به ولتنصرنه ، الضمير الأول وإن كان من الجائز أن يرجع إلى الرسول كالضمير الثاني إذ لا ضير في إيمان نبي لنبي آخر ، قال تعالى:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله"الآية: البقرة - 285 ، لكن الظاهر من قوله: قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم"الخ"، رجوعه إلى ما أوتوا من كتاب وحكمة ، ورجوع الضمير الثاني إلى الرسول ، والمعنى لتؤمنن بما آتيتكم من كتاب وحكمة ولتنصرن الرسول الذي جاءكم مصدقا لما معكم.

قوله تعالى: قال أ أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا ، الاستفهام للتقرير ، والإقرار معروف ، و- الإصر - هو العهد ، وهو مفعول أخذتم ، وأخذ العهد يستلزم مأخوذا منه غير الأخذ وليس إلا أمم الأنبياء ، فالمعنى أ أقررتم أنتم بالميثاق ، وأخذتم على ذلكم عهدي من أممكم قالوا: أقررنا.

وقيل: المراد بأخذ العهد قبول الأنبياء ذلك لأنفسهم فيكون قوله: وأخذتم على ذلكم إصري عطف بيان لقوله أقررتم ، ويؤيده قوله: قالوا أقررنا من غير أن يذكر الأخذ في الجواب ، وعلى هذا يكون الميثاق لا يتعدى الأنبياء إلى غيرهم من الأمم ويبعده قوله: قال فاشهدوا ، لظهور الشهادة في أنها على الغير ، وكذا قوله بعد: قل آمنا بالله"الخ"من غير أن يقول: قل آمنت فإن ظاهره أنه إيمان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل نفسه وأمته إلا أن يقال: إن اشتراك الأمم مع الأنبياء إنما يستفاد من هاتين الجملتين: أعني قوله: فاشهدوا ، وقوله: قل آمنا بالله ، من غير أن يفيد قوله: وأخذتم ، في ذلك شيئا.

قوله تعالى: قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ، ظاهر الشهادة كما مر أن يكون على الغير فهي شهادة من الأنبياء وأممهم جميعا ، ويشهد لذلك كما مر قوله: قل آمنا بالله ، ويشهد لذلك السياق أيضا ، فإن الآيات مسوقة للاحتجاج على أهل الكتاب في تركهم إجابة دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أنها تحتج عليهم في ما نسبوه إلى عيسى وموسى (عليهما السلام) وغيرهما كما يدل عليه قوله تعالى: أ فغير دين الله يبغون ، وغيره.

وربما يقال: إن المراد بقوله: فاشهدوا ، شهادة بعض الأنبياء على بعض كما ربما يقال: إن المخاطبين بقوله: فاشهدوا ، هم الملائكة دون الأنبياء.

والمعنيان وإن كانا جائزين في نفسهما غير أن اللفظ غير ظاهر في شيء منهما بغير قرينة ، وقد عرفت أن القرينة على الخلاف.

ومن اللطائف الواقعة في الآية أن الميثاق مأخوذ من النبيين للرسل على ما يعطيه قوله: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين - إلى قوله: - ثم جاءكم رسول ، وقد مر في ذيل قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة"الآية: البقرة - 213 ، الفرق بين النبوة والرسالة وأن الرسول أخص مصداقا من النبي.

فعلى ظاهر ما يفيده اللفظ يكون الميثاق مأخوذا من مقام النبوة لمقام الرسالة من غير دلالة على العكس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت