و بذلك يمكن المناقشة فيما ذكر بعضهم أن المحصل من معنى الآية أن الميثاق مأخوذ من عامة النبيين أن يصدق بعضهم بعضا ، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض ، أي إن الدين واحد يدعو إليه جميع الأنبياء ، وهو ظاهر.
فمحصل معنى الآية على ما مر: أن الله أخذ الميثاق من الأنبياء وأممهم أن لو آتاهم الله الكتاب والحكمة وجاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن بما آتاهم وينصرن الرسول وذلك من الأنبياء تصديق من المتأخر للمتقدم والمعاصر ، وبشارة من المتقدم بالمتأخر وتوصية الأمة ، ومن الأمة الإيمان والتصديق والنصرة ، ولازم ذلك وحدة الدين الإلهي.
وما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالآية أن الله أخذ الميثاق من النبيين أن يصدقوا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويبشروا أممهم بمبعثه ، فهو وإن كان صحيحا إلا أنه أمر يدل عليه سياق الآيات كما مرت الإشارة إليه دون الآية في نفسها لعموم اللفظ بل من حيث وقوع الآية ضمن الاحتجاج على أهل الكتاب ولومهم وعتابهم على انكبابهم على تحريف كتبهم وكتمان آيات النبوة والعناد والعتو مع صريح الحق.
قوله تعالى: فمن تولى بعد ذلك"الخ"تأكيد للميثاق المأخوذ المذكور ، والمعنى واضح.
قوله تعالى: أ فغير دين الله يبغون وله أسلم ، تفريع على الآية السابقة المتضمنة لأخذ ميثاق النبيين ، والمعنى فإذا كان دين الله واحدا وهو الذي أخذ عليه الميثاق من عامة النبيين وأممهم وكان على المتقدم من الأنبياء والأمم أن يبشروا بالرسول المتأخر ويؤمنوا بما عنده ويصدقوه فما ذا يقصده هؤلاء معاشر أهل الكتاب وقد كفروا بك وظاهر حالهم أنهم يبغون الدين فهل يبغون غير الإسلام الذي هو دين الله الوحيد؟ ولذلك لا يصدقونك ولا يتمسكون بدين الإسلام مع أنه كان يجب عليهم الاعتصام بالإسلام لأنه الدين الذي يبتني على الفطرة ، وكذلك يجب أن يكون الدين ، والدليل عليه أن من في السماوات والأرض من أولي العقل والشعور مسلمون لله في مقام التكوين فيجب أن يسلموا عليه في مقام التشريع.
قوله تعالى: وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها ، هذا الإسلام الذي يعم من في السماوات والأرض ومنهم أهل الكتاب الذين يذكر أنهم غير مسلمين ، ولفظ أسلم صيغة ماض ظاهره المضي والتحقق لا محالة وهو التسليم التكويني لأمر الله دون الإسلام بمعنى الخضوع العبودي ، ويؤيده أو يدل عليه قوله طوعا وكرها.
وعلى هذا فقوله: وله أسلم ، من قبيل الاكتفاء بذكر الدليل والسبب عن ذكر المدلول والمسبب ، وتقدير الكلام: أ فغير الإسلام يبغون؟ وهو دين الله لأن من في السماوات والأرض مسلمون له منقادون لأمره ، فإن رضوا به كان انقيادهم طوعا من أنفسهم ، وإن كرهوا ما شاءه وأرادوا غيره كان الأمر أمره وجرى عليهم كرها من غير طوع.
ومن هنا يظهر أن الواو في قوله: طوعا وكرها ، للتقسيم ، وأن المراد بالطوع والكره رضاهم بما أراد الله فيهم مما يحبونه ، وكراهتهم لما أراده فيهم مما لا يحبونه كالموت والفقر والمرض ونحوها.
قوله تعالى: وإليه يرجعون هذا سبب آخر لوجوب ابتغاء الإسلام دينا فإن مرجعهم إلى الله مولاهم الحق لا إلى ما يهديهم إليه كفرهم وشركهم.
قوله تعالى: قل آمنا بالله وما أنزل علينا ، أمر النبي أن يجري على الميثاق الذي أخذ منه ومن غيره فيقول عن نفسه وعن المؤمنين من أمته: آمنا بالله وما أنزل علينا"الخ".
وهذا من الشواهد على أن الميثاق مأخوذ من الأنبياء وأممهم جميعا كما مرت الإشارة إليه آنفا.
قوله تعالى: وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل إلى آخر الآية ، هؤلاء المذكورون بأسمائهم هم الأنبياء من آل إبراهيم ، ولا تخلو الآية من إشعار بأن المراد بالأسباط هم الأنبياء من ذرية يعقوب أو من أسباط بني إسرائيل كداود وسليمان ويونس وأيوب وغيرهم.
وقوله: والنبيون من ربهم ، تعميم للكلام ليشمل آدم ونوحا ومن دونهما ، ثم جمع الجميع بقوله: لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون.
قوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه"الخ"نفي لغير مورد الإثبات من الميثاق المأخوذ ، وفيه تأكيد لوجوب الجري على الميثاق.