أما الرجال فالفضيلة بينهم سفك الدماء والحمية الجاهلية والكبر والغرور واتباع الظالمين وهضم حقوق المظلومين والتعادي والتنافس والقمار وشرب الخمر والزنا وأكل الميتة والدم وحشف التمر.
وأما النساء فقد كن محرومات من مزايا المجتمع الإنساني لا يملكن من أنفسهن إرادة ولا من أعمالهن عملا ولا يملكن ميراثا ويتزوج بهن الرجال من غير تحديد بحد كما عند اليهود وبعض الوثنية ومع ذلك فقد كن يتبرجن بالزينة ويدعون من أحببن إلى أنفسهن وفشا فيهن الزنا والسفاح حتى في المحصنات المزوجات منهن ، ومن عجيب بروزهن أنهن ربما كن يأتين بالحج عاريات.
وأما الأولاد فكانوا ينسبون إلى الآباء لكنهم لا يورثون صغارا ويذهب الكبار بالميراث ومن الميراث زوجة المتوفى ، ويحرم الصغار ذكورا وإناثا والنساء.
غير أن المتوفى لو ترك صغيرا ورثه لكن الأقوياء يتولون أمر اليتيم ويأكلون ماله ، ولو كان اليتيم بنتا تزوجوها وأكلوا مالها ثم طلقوها وخلوا سبيلها فلا مال تقتات به ولا راغب في نكاحها ينفق عليها والابتلاء بأمر الأيتام من أكثر الحوادث المبتلى بها بينهم لمكان دوام الحروب والغزوات والغارات فبالطبع كان القتل شائعا بينهم.
وكان من شقاء أولادهم أن بلادهم الخربة وأراضيهم القفر البائرة كان يسرع الجدب والقحط إليها فكان الرجل يقتل أولاده خشية الإملاق"الأنعام آية 151"، وكانوا يئدون البنات"التكوير آية 8"، وكان من أبغض الأشياء عند الرجل أن يبشر بالأنثى"الزخرف آية 17".
وأما وضع الحكومة بينهم فأطراف شبه الجزيرة وإن كانت ربما ملك فيها ملوك تحت حماية أقوى الجيران وأقربها كإيران لنواحي الشمال والروم لنواحي الغرب والحبشة لنواحي الجنوب إلا أن قرى الأوساط كمكة ويثرب والطائف وغيرها كانت تعيش في وضع أشبه بالجمهورية وليس بها ، والعشائر في البدو بل حتى في داخل القرى كانت تدار بحكومة رؤسائها وشيوخها وربما تبدل الوضع بالسلطنة.
فهذا هو الهرج العجيب الذي كان يبرز في كل عدة معدودة منهم بلون ، ويظهر في كل ناحية من أرض شبه الجزيرة في شكل مع الرسوم العجيبة والاعتقادات الخرافية الدائرة بينهم ، وأضف إلى ذلك بلاء الأمية وفقدان التعليم والتعلم في بلادهم فضلا عن العشائر والقبائل.
وجميع ما ذكرناه من أحوالهم وأعمالهم والعادات والرسوم الدائرة بينهم مما يستفاد من سياق الآيات القرآنية والخطابات التي تخاطبهم بها أوضح استفادة ، فتدبر في المقاصد التي ترومها الآيات والبيانات التي تلقيها إليهم بمكة أولا ثم بعد ظهور الإسلام وقوته بالمدينة ثانيا ، وفي الأوصاف التي تصفهم بها ، والأمور التي تذمها منهم وتلومهم عليها ، والنواهي المتوجهة إليهم في شدتها وضعفها ، إذا تأملت كل ذلك تجد صحة ما تلوناه عليك.
على أن التاريخ يذكر جميع ذلك ويتعرض من تفاصيلها ما لم نذكره لإجمال الآيات الكريمة وإيجازها القول فيه.
وأوجز كلمة وأوفاها لإفادة جمل هذه المعاني ما سمى القرآن هذا العهد بعهد الجاهلية فقد أجمل في معناها جميع هذه التفاصيل.
هذا حال عالم العرب ذلك اليوم.
وأما العالم المحيط بهم ذلك اليوم من الروم والفرس والحبشة والهند وغيرهم فالقرآن يجمل القول فيه.
أما أهل الكتاب منهم أعني اليهود والنصارى ومن يلحق بهم فقد كانت مجتمعاتهم تدار بالأهواء الاستبدادية والتحكمات الفردية من الملوك والرؤساء والحكام والعمال فكانت مقتسمة طبعا إلى طبقتين طبقة حاكمة فعالة لما تشاء تعبث بالنفس والعرض والمال ، وطبقة محكومة مستعبدة مستذلة لا أمن لها في مال وعرض ونفس ، ولا حرية إرادة إلا ما وافق من يفوقها ، وقد كانت الطبقة الحاكمة استمالت علماء الدين وحملة الشرع وأتلفت بهم ، وأخذت مجامع قلوب العامة وأفكارهم بأيديهم فكانت بالحقيقة هي الحاكمة في دين الناس ودنياهم تحكم في دين الناس كيفما أرادت بلسان العلماء وأقلامهم وفي دنياهم بالسوط والسيف.